الرئيسية / مقالات / نكــون أو لا نكـــون؟ ولكن الأهم كيف سنكــون!

نكــون أو لا نكـــون؟ ولكن الأهم كيف سنكــون!

بقلم الكاتبة الصحفية هبة عبدالعزيز 
لفت نظرى ضمن الأخبار خبران، الاول كان منذ شهرين تقريبا يقول “استقبلت المهندسة نادية عبده محافظ البحيرة 700 سائح من 30 دولة أجنبية، ببيت الوادى فى أول وفود “رحلة العائلة المقدسة” التى تروج لها المحافظة فى المسارات الواقعة ضمن محافظة البحيرة”، والثانى كان قبل عدة أيام من أضاءة اشجار ليلة عيد الميلاد, حيث أعلنت القناة العاشرة فى التليفزيون العبرى عن مشروع جديد فى اطار ما يعرف بـ “خطة القدس الكبرى”. والخطة باختصار عبارة عن إطباق السيطرة على المدينة من خلال تغيير واقعها الديموغرافى, وذلك ببناء 300 الف وحدة استيطانية جديدة على مساحات كبيرة، يقع بعضها خارج الخط الاخضر الدى يفصل ما بين الاراضى المحتلة فى 1948 وتلك المحتلة فى 1967، وعلى لسان وزير الاسكان الاسرائيلى يؤاف جالانت ذكرت القناة ان هدف هذه الخطة هو اقامة “عاصمتنا” القدس اليهودية. وتزامن ذلك مع الاتهامات الكثيرة وخاصة الاخيرة منها التى تمس السمعة المالية للرئيس الامريكى ترامب، حيث وجهت له وسائل اعلامية امريكية تهمة تلقيه دعما ماليا من رجال أعمال يهود, تمهيدا لاتخاده القرار باهداء القدس للدولة العبرية, كما أعلن بالفعل فى الاسابيع الماضية.

مبارك أرض مصر

أعود للخبر الاول الذى أسعدنى كثيرا لعدة أسباب ربما سيأتى حديثنا عنها فيما بعد، ولكن كان أهم تلك الاسباب ما يتعلق بـ “بشارة الخير” حول عودة حركة السياحة الى مصر وخاصة السياحة الدينية لتصبح بمثابة طوق النجاة لصناعة السياحة. ويحضرنى هنا قول قداسة البابا فرانسيس حين نزل من الطائرة فى مطار القاهرة قادما من روما وقال: “جئت لأحج الى مصر. فرحلة العائلة المقدسة تحولت مع الايام الى رحلة حج الى مصر، واحياء مثل هذه الذكرى المقدسة واحياء الطريق المقدس حدث أكثر من هام”. وهو ما جعلني اسرح بخيالى واتذكر رحلة العائلة المقدسة التي هربت من بطش الملك هيردوس من فلسطين إلي مصر، ومكثوا فيها ما يقرب من ثلاث سنوات، حيث استقبلها شعب مصر بحفاوة وترحاب، فقال فيها المسيح “مبارك أرض مصر.. مبارك شعب مصر”.
“إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ، لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ. فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِل مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني”.
وهكذا لخص لنا انجيل القديس متى رحلة العائلة المقدسة إلى مصر.

ان مجـئ السيد المسيح والعائلة المقدسة الى مصـر يعد مـن اهـم الاحـداث التى جـرت على ارضها خلال تاريخهــا الطـويل، فقد بارك الله شعب مصر بمرور رحلة السيدة العذراء مريم هى وطفلها هربا من شر الامبراطور هيرودس الذى اضطهد المسيحية، وأراد أن يقتل المسيح عليه السلام هو وأمه مريم العذراء، فهربت حاملة طفلها وسلكت هذه الرحلة المقدسة والشاقة المليئة بالآلام والمتاعب. خرجت مريم ووليدها عيسى عليه السلام من أرض فلسطين وبيت المهد هاربة الى ارض مصر، راكبة على حمار حاملة طفلها بين ذراعيها ويجرهما يوسف النجار، يسيرون عبر برية قاسية من الصحارى والهضاب والوديان بدون حماية سوى من الخالق عز وجل. وحسب المصادر التاريخية القبطية عن هروب العائلة المقدسة والتى من اهمها ميمر البابا ثيئوفيلس (23) من باباوات الإسكندرية (384-412 م) انه لم تسلك السيدة مريم ووليدها الطرق الثلاث المعروفة عند مجيئها من فلسطين، ولكنها سلكت طريقا آخراً هربا من خطر الروم، وكان هذا الطريق هو الاصعب بلا شك.
وكنت أود أن أتناول هنا مسار رحلة العائلة المقدسة تفصيلا لما فيه من مواقع أراها غاية في الاهمية، ربما لانها تضئ فى أذهاننا وقلوبنا نقاط عدة عن تاريخنا المنسى وانسانيتنا التى عمل ويعمل على تشويهها سماسرة الدم. لكنى لن أطيل كثيرا خاصة وقد تناول الموضوع نخبة من الاساتذة والمتخصصين في هذا العدد المتميز من مجلتنا “الدبلوماسي”.

وأما عن الخبر الثانى بخصوص القدس، فبداية أطرح سؤالا بديهيا حول أسباب إتخاذ الرئيس “ترامب” القرار غير الانسانى وغير القانونى بالاعتراف بالقدس كعاصمة لاسرائيل، مع الاخد فى الاعتبار أمرين،
أولهما أن أمريكا دولة تحكمها مؤسسات، والقرار فيها ليس فرديا، ولكننا نعلم أيضا أن هناك مساحة متفق عليها ومحددة تستطيع أن تتحرك فيها تلك المؤسسات يمينا أو يسارا كل حسب توجهه.
والامر الآخر هو انه رغم انه تم التصويت باغلبية بين أعضاء الكونجرس عام 1995 للاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، ولنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، الا أنه لم يطبق من جانب أى من الادارات الامريكية المتعاقبة قبل ذلك. وربما تساعدنا الاجابة على هذا السؤال فى فهم ما يحدث من الادارة الامريكية الحالية بشىء من العمق، وفى ظنى أن الاجابة تحتاج أن نستعرض مسألتي العقيدة والمصلحة.

يعيش البشر بالحب.

فبالنسبة للعقيدة نجد أن 40 % من الذين أعطوا أصواتهم للرئيس “ترامب” هم من البروتستانت الاصوليين، وهؤلاء يمثلون حوالى 25% من اجمالى الناخبين الامريكيين، ومن المعروف أن البروتستانت الاصوليين يؤمنون فى عقيدتهم بأن السيد المسيح سينزل فى مدينة أورشاليم القدس التى ستدور فيها معركة “ارماجدون” آخر معارك الزمان، والتى ستنتهى بمقتل ثلثى اليهود وسيدخل الثلث الباقى فى الديانة المسيحية بعد انتصار السيد المسيح، الامر الذى يفسر تصويت غالبية أعضاء الكونجرس فى عام 1995 لصالح هذا القرار الظالم. فقد كان ذلك التصويت بمثابة مغازلة لهؤلاء الاصوليين او لهذا التيار الناخب تحديدا. واتخاد ترامب لقراره فى يعد من محاولة لكسبهم لصفه وخصوصا بعد اخفاقه فى انجاز العديد من الوعود المتعلقة بالشأن الداخلى.
وأما بالنسبة للمصلحة، فنعلم أن الامريكيين ينقسمون الى تيارين أحدهما عالمى يرى ارتباط المصالح الأمريكية بما يجرى فى مناطق العالم الأخري، وأن على أمريكا لعب دور قيادى لصنع وتشكيل العالم الملائم لتعزيز مصالحها، والآخر هو التيار الانعزالى الذى يرى أنصاره أن مصير بلدهم غير مرتبط بمصير العالم، وأن أمريكا يمكنها الحفاظ على أمنها ورفاهيتها بغض النظر عما يحدث فى العالم من حولها. ومن المعلوم أن ترامب ينتمى للتيار الانعزالى. لذا نجده لا يبالى بالعزلة التى باتت فيها أمريكا بسبب قرراته السياسية، ولكن المصلحة هنا هى مصلحة ترامب وبعض الامريكيين وليست مصلحة الولايات المتحدة الامريكية ككل.
ويحضرنى هنا قول شكسبير “نكون أو لا نكون”، وكم أجده ملائما للربط بين الموضوعين، وأعتقد أنهما يمثلان ايضا مفارقتين، فالاول وهو رحلة العائلة المقدسة وتزامن ذلك مع حلول ذكرى ميلاد السيد المسيح الذى جاء الى العالم بشريعة الحب. فقد ورد فى انجيل القديس متى فى الاصحاح الخامس أن السيد المسيح قال “لا تظنوا انى جئت لانقض الناموس او الانبياء. ما جئت لانقض بل جئت لاكمل”. فشريعة الحب لم تنقض العقيدة السائدة أنذاك بل جاءت لتكملها وتزيد عليها. ونعلم ان الحب لا يحاسب بالحروف والشروط، ولا يعامل الناس بالصكوك والشهود، ولكنه يفعل ما يطلب منه ويزيد عليه وهو مستريح الى العطاء غير متطلع الى الجزاء، الامر الذى يجمع ولا يفرق، فيعيش البشر بالحب ويكونوا بالحب. وتلك هى الرسالة والعقيدة.
وأما الثانى وهو موضوع تهويد القدس تحت رعاية امريكية، فقد جاء هذا القرار ليكرس المزيد من الكراهية فى عالم أصبح يعانى من ثقب كبير فى الضمير الانسانى بسبب سياسات ترى أن وجودها فى الحياة أصبح ملازما بشكل أو بآخر لاغتصاب الحقوق وظلم البشر والكيل بمكيالين، فيقلبوا الحقائق ويخلطوا الاوراق، وتتملكهم شهوة النفود ونوازع السيطرة، وأرى مريديها يتبعون شريعة الكره التى تفرق ولا تجمع وتلك هى مصالحهم عندما يغلفوها بالعقيدة، تماما مثلما يفعل فى الدين الاسلامى من يطلقون على انفسهم تيار الاسلام السياسى اليميني المتطرف.
ومع مطلع عام جديد، آمل أن يمتلك الضمير الانسانى مقومات صحوة أصبح عالمنا فى أمس الحاجة إليها، تحمل تلك الصحوة شريعة الحب كما نزل بها السيد المسيح عليه السلام، وشريعة العدالة كما جاء بها سيدنا محمـد الرسول الكريم عليه السلام.

326 total views, 1 views today

عن mohamed badawy

شاهد أيضاً

لا تختصروا القضية في فصل واحد!

بقلم د يسري الشرقاوي مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادية رئيس مجلس إدارة مجموعة (HOC) …