الرئيسية / الخليج / الإمارات / جاهزية اقتصاد الإمارات تؤهله لمواجهة أي ركود عالمي

جاهزية اقتصاد الإمارات تؤهله لمواجهة أي ركود عالمي

تتخبط آراء مؤسسات المال الأكثر شهرة عالمياً بين من يتخوف من ركود وشيك، ربما يكون في تفاصيله الموجعة غير مسبوق على المستوى العالمي، وبين من يراه احتمالاً بعيداً، ويؤكد أن الاقتصاد العالمي سيراوح مكانه في حالة التباطؤ الراهنة لفترة ربما تطول إن لم يتم اعتماد وصفات العلاج الأكثر نجاعة، والتي تضاربت حولها الآراء، الأمر الذي نلمسه ولمسناه واضحاً من الانقسام داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي حول قرارات خفض الفائدة.
فمن جهة نرى بيانات حديثة، تتخوف من دخول بريطانيا في ركود بعد انكماش اقتصادها في الربع الثاني بحوالي 0.2% ونمو لناتجها المحلي لم يتجاوز معدله 0.5% في الربع الأول، ويعد هذا أول انكماش لاقتصاد بريطانيا منذ الربع الأخير من عام 2012. وأطلق خبراء الاقتصاد تحذيرات من إمكانية أن تجر ألمانيا اقتصادات منطقة اليورو إلى ركود مع تراجع نموها الاقتصادي في الربع الثاني، ما يجعلنا نترقب بيانات الربع الثالث، فالركود بحسب التعريفات الاقتصادية هو انكماش أو تراجع النمو الاقتصادي لدولة لربعين أو فصلين متتاليين.
حسب أحدث بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول آفاق نمو الاقتصاد العالمي أدى تفاقم الحروب التجارية إلى تراجع زخم النمو العالمي، واتجاه الاقتصاد لتسجيل أبطأ وتيرة نمو منذ الأزمة المالية.

وتتوقع المنظمة أن يسجل النمو العالمي عام 2019 «أضعف المستويات منذ الأزمة المالية» حين تراجع إلى 2.9 في المئة في 2008 قبل أن يهبط إلى -0.5 في المئة خلال السنة التالية.
وخفضت المنظمة توقعاتها للنمو العالمي لهذا العام من 3.2% إلى 2.9%. كما خفضت التوقعات للعام 2020 من 3.4% إلى 3%.

بيوت الخبرة

وأضافت المنظمة أن الحكومات لا تقوم بما يكفي لمنع حدوث ضرر طويل المدى، وأرجعت خفض توقعاتها الاقتصادية، التي كانت قد أطلقتها منذ أربعة أشهر، إلى تأثير السياسات الحمائية على الثقة والاستثمار وارتفاع المخاطر المحيطة بالأسواق المالية.
من جانبه خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 3.2%، مع تحذيرات متواصلة من تأثيرات الحروب التجارية على النمو الاقتصادي.
إذا ما عدنا إلى التاريخ الذي كثيراً ما نراه يعيد نفسه، سنرى إن بيوت الخبرة طالما أخفقت في رؤية الركود قبل وقوعه، بل وكثيراً ما نجدها تخرج بتقارير تؤكد حدوث ركود بعد وقوعه بأشهر وربما حتى سنوات، والأزمة المالية العالمية ليست عنا ببعيدة. لذا ربما ليس علينا ألا نعول كثيراً على ما تقدم هذه المؤسسات من توقعات، وقد يحسن بنا أن نركز على البيانات والأرقام على أرض الواقع في بحثنا عن السيناريوهات والحلول الممكنة أمام الإمارات واقتصادات المنطقة في مواجهة متغيرات عالمية متسارعة وغير مسبوقة.

تجارب سابقة

قال محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي للاستراتيجيات والعملاء لدى شركة «الظبي كابيتال» إنه لاستشراف المستقبل علينا أن ننظر إلى تجاربنا السابقة مع الأزمات العالمية، ففي الأزمة المالية العالمية الأخيرة لم تبدأ التبعات تنعكس على الاقتصاد المحلي إلا بعد مرور عام أو نحوه على وقوعها في الولايات المتحدة الأمريكية، فالعدوى انتقلت بالفعل، لكنها أخذت وقتها قبل أن تنعكس واضحة على الأسواق المحلية.
ولفت إلى أهمية النظر إلى القنوات التي انتقلت عبرها الأزمة والمتمثلة في أسعار النفط العالمية والتعرض للتمويل الخارجي، فبمعرفة الأسباب يتسنى وضع الحلول، والحل في التجهز بالأدوات اللازمة من إصلاح وتحفيز وتقليص فرص التعرض للمخاطر الخارجية.
ويبقى السؤال ركود أو لا ركود؟.. بغض النظر عن المسميات وإن كان العالم سيواجه تباطؤاً مؤلماً في وقعه، أو ركوداً شاملاً تجره إليه حرب عملات وحروب تجارية ليس لنا ناقة فيها ولا جمل، يتعين على اقتصادات الإمارات والمنطقة أن تكون مستعدة ومتسلحة بما يكفي من أدوات في مواجهة الواقع العالمي الجديد بحمائية أمريكية المنشأ وحروب قد يطول الوقت، وتعلو التكلفة، قبل أن تضع أوزارها.
ويرى خبراء أن مفتاح الحل أمام أي اقتصاد، سواء كان ما يواجهه تباطؤاً عالمياً طويل الأجل أو ركوداً، يمثل في جاهزيته في مواجهة أية تبعات محتملة، ففي ظل تباطؤ أو ركود يضرب الاقتصاد العالمي لن يكون أحد محصناً من الانعكاسات سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة.

الاحتياطيات المالية

فربما تملك اقتصادات الإمارات والمنطقة الاحتياطيات المالية والأصول الخارجية الضخمة، إلا إن الركود العالمي لا شك سيكون له تأثيره السلبي أقله نتيجة تراجع أسعار النفط العالمية مع تقلص الطلب، بإيقاع يصعب أن تتماشى معه خطوات خفض الإمدادات، ليعود سعر البرميل إلى مستويات متدنية ما سيكون له انعكاساته من دون شك على دول المنطقة، خاصة الأكثر اعتماداً على البترول اقتصادياً.
ولعل الإمارات الأوفر حظاً بين دول المنطقة في مواجهة التطورات العالمية بسياساتها الناجعة على مستوى تنويع مواردها الاقتصادية، والحد من الاعتماد على موارد النفط، وبجهود الإصلاح الاقتصادي ومبادراتها التحفيزية الداعمة للنمو.
بيد أن ياسين لفت إلى وجود فارق بين التباطؤ والركود، فالتباطؤ يمكن التعامل معه، إذ يعني أن هناك لا زال نمو، لكنه نمو بطئ في إيقاعه، على العكس من الركود الذي له تأثيراته الموجعة وفي مختلف المستويات ولن يسلم من تأثيره أحد. واستبعد سيناريو الركود في الولايات المتحدة مع مؤشرات حافظت على إيجابيتها على مستوى الإنفاق الاستهلاكي ومعدلات البطالة.
وقال: تبقى المخاوف موجودة ولا مجال لتجاهلها في ظل حرب تجارية مستعرة ومخاوف من إلغاء اتفاقيات تجارة عالمية وتأثيرات ذلك في سلسلة المعروض. ولفت إلى أن تراجع الطلب على النفط يبقى من المؤرقات الرئيسية لاقتصادات المنطقة، لكنه توقع أن يستقر النمو في حال استقرت الأسعار عن 60 دولاراً للبرميل، لكن التحدي الصعب سيكون في تراجعها إلى مستوى أقل من 50 دولاراً للبرميل.

تعزيز الإنفاق

ويرى إن الحل في مواجهة تراجع أكبر في أسعار النفط وحركة التجارة العالمية يكمن في زيادة الكفاءة خلال الفترة المقبلة من خلال تعزيز الإنفاق على مشاريع فعالة، تحقق قيمة مضافة على مستوى النمو والاستدامة.
وبدوره رجح طارق قاقيش مدير إدارة الأصول لدى «مينا كورب» سيناريو التباطؤ على الركود، وقال إنه من الطبيعي أن تنتقل عدوى التباطؤ عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد الأمريكي من خلال القنوات المختلفة مثل النفط والتجارة والاستثمار على المستوى العالمي، لكنه أكد أن لدى الدولة المصدات المالية المتمثلة في رصيدها الضخم من الأصول الخارجية والكافي لمواجهة تبعات التباطؤ أو حتى الركود. وقال إن الأمر الإيجابي الذي يحد من حدة التأثيرات في الإمارات هو انخفاض مستويات الاستدانة الخارجية.
وقال إن الأدوات المالية والنقدية تسهم في إيجاد حل إيجابي في أوقات التباطؤ والركود، وبالنظر لارتباط الدرهم بالدولار الأمريكي، سوف تستفيد الدولة من قرار خفض الفائدة، فهو القرار المناسب لتحفيز النمو وتشجيعه من خلال خفض تكلفة الائتمان وتشجيع الشركات على الاقتراض وزيادة الإنفاق الاستثماري، ولفت إلى حاجة الاقتصاد المحلي إلى مثل هذه الخطوة في الوقت الحاضر بعد أن واجه معضلة ارتفاع الفائدة في وقت يواجه تباطؤاً في النمو.
وكنصيحة للمستثمرين في أوقات التباطؤ والركود قال قاقيش إنه من المناسب في ظل هذه الظروف الحفاظ على أصول سائلة ضمن المحفظة وزيادة مستويات التحوط في عملياتهم الاستثمارية.

الربع الثالث

وقال الخبير المالي وضاح الطه، إن مخاوف الركود تأتي عادة من المخاطر، وهناك إشارات تساعد على التنبؤ بحالات الركود، وفي الوقت الحالي تبرز مؤشرات مهمة منها: تطورات الحروب التجارية و«البريكسيت» وبيانات النمو الضعيفة لاقتصاد ألمانيا في الربع الثاني من العام الجاري، ما يجعلنا نترقب بيانات الربع الثالث، فمن المعروف إن تراجع ربعين متتاليين يعني تنامي فرص الركود.
وتحدث عن المحفزات في مواجهة مخاوف التباطؤ أبرزها بطبيعة الحال قرارات خفض الفائدة الرامية لتعزيز النشاط الاقتصادي من خلال خفض تكلفة الاقتراض، وتحفيز ضخ سيولة إضافية إلى السوق إما من خلال الاستثمار أو زيادة الإنفاق. وأظهرت دراسة مسحية أجراها مؤخراً «بنك أوف أمريكا ميريل لينش» تنامي مخاوف المستثمرين من إمكانية حدوث ركود اقتصادي في الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة، وإن كانت نسبة المتخوفين لا تزيد على 32% ما قد لا يشكل خطراً فعلياً في واقع الأمر.
ولفت إلى أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خفضت توقعاتها لأكثر من مرة لنمو الاقتصاد العالمي، وقال لا زال هناك نمو لكن من الملاحظ إنه آخذ في التناقص. لكنها ما زالت تتوقع مستويات نمو إيجابية للاقتصاد الأمريكي والصيني والاقتصاد العالمي.
وبالنسبة لتأثيرات التباطؤ أو الركود العالمي على الاقتصاد المحلي قال إن أول قنوات التأثير تتمثل في تراجع الطلب على النفط ما يؤثر بشكل مباشر في اقتصاد الإمارات وقد يؤثر تبعاً لذلك في الإنفاق الحكومي للدول المنتجة للنفط بشكل عام. ولفت إلى أن الإمارات تتمتع بميزة عن بقية دول المنطقة، وهي تنوع مصادر النمو الاقتصادي ما يجعلها أكثر قدرة على امتصاص الضغوط الاقتصادية الدولية.
وأضاف قائلاً: إن للإمارات موقعاً استراتيجياً مهماً يجعلها قادرة على التركيز فيما لديها من تميز تنافسي مثل التصدير وإعادة التصدير والتجارة التقليدية، إضافة إلى خلق برامج تحفيزية خصوصاً في المجالات المهم تطويرها، ومنها خفض تكلفة ممارسات الأعمال. وأشار إلى أن حدث «إكسبو 2020» وهو استثنائي، سيسهم بشكل كبير في احتواء أية تأثيرات محتملة للتباطؤ العالمي.

الخليج

401 total views, 1 views today

عن ياسمين السعداوي

شاهد أيضاً

الامارات ومصر وشراكة مثمرة جديدة

أبريل 2018، دشنت الإمارات ومصر شراكة استراتيجية “لـتطوير الأداء الحكومي في مصر”، بما يسهم في تحقيق استراتيجية …

error: Content is protected !!