الرئيسية / مقالات / مشروعية البصمة الوراثية وحجيتها

مشروعية البصمة الوراثية وحجيتها

بقلم: المستشار/خالد السيد

أحدث التقدم العلمي اكتشاف الحمض النووي DNA والذي كان مقدمة للكشف عما يسمى بالبصمة الوراثية حيث أنها لا تتفق ولا تتشابه مع شخص آخر، وتحدد هوية صاحبها بدقة تصل الى 100%، ويتكون الحمض النووي DNA الخاص بكل إنسان من أبيه وأمه بنسبة 50% من كل منهما، إذ أن العوامل الوراثية في الطفل يكون أصلها مأخوذا من الأب والأم ، وبذلك يكون نصف الصفات الوراثية لكل شخص تتطابق مع الصفات الوراثية لأمه ونصفها الآخر يتطابق مع الصفات الوراثية لأبيه ومجموع صفاته لا يتطابق مع صفات والديه، التحليل البصمة الوراثية تتحدد الصفات الوراثية من الأب صاحب الماء والصفات الوراثية من آلام صاحبة البويضة، مما يعده وسيلة لإثبات النسب، إلا أن الشريعة الإسلامية اتفقت على وسائل إثبات النسب منها الفراش، واجمعت الأمة على أن النسب يثبت بالفراش وهو فراش الزوجية، لقول الرسول الأكرم “الولد للفراش، وللعاهر الحجر” وفي ذلك يقول الشوكاني “مهما كان الفراش ثابتا شرعا، كان الولد لاحقا قطعا “، ومن وسائل الثبات المتفق عليها أيضا الشهادة وهي أن يشهد الشهود العدول شرعا بأنه ابنه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله ان جهات ثبوت النسب أربعة: الفراش، والاستلحاق، والبينة، والقافة، وأن الثلاثة الأول متفق عليها. فأما الاستلحاق هو أن يقر رجل يمكن كون الولد منه بأن مجهول النسب هذا: ابنه، وأما الشهادة بالسمع أي الشهادة بسماع ما شاع واشتهر بين الناس لأنه ثابت بالتواتر ومحسوس، بحس البصر والسمع سواء.
أما المختلف فيه من الوسائل أولها القيافة وهي استدلال بالشبه على النسب إذا تعذر الاستدلال بالقرائن واختلف العلماء في ثبوت النسب بها بين المشروعية وهو قول الشافعية والحنابلة، وبين عدم مشروعية العمل بها وهو قول الحنفية، اما قول المالكية أنها حجة شرعية في ولد الأمة يطؤها رجلان في طهر واحد فتأتي بولد يشبه ان يكون منهما، دون ولد الحرة.
وعن القرعة، اختلف أهل العلم في ثبوت النسب بها بين المشروعية في قول الشافعية ورواية عن الإمام أحمد، وبين عدم ثبوت النسب بها وهو قول الحنفية والمالكية وقول للشافعية ورواية عن أحمد.
وفي وقتنا الحاضر إذ تبين لنا أن المورثات البشرية يتعلق بعضها ببعض، وتنتقل من الآباء إلى الأبناء والاحفاد، وان كان الفارق الزمني بينهم طويلا، وهذا ما بلغ به رسولنا الكريم عندما أتاه رجلا ولد له غلاما اسودا، فقال: هل لك من أبل؟ قال نعم، فسأله عن ألوانها فأخبرها بأنها حمر فرد عليه سؤاله هل فيها من اورق؟ قال نعم، فأنى ذلك؟ فقال لعل نزعه عرق، فلعل ابنك هذا نزعه.. وان كانت الشريعة أوضحت الطرق التي يعول عليها في إثبات النسب، ولكنها لم تمانع من اكتشاف طرق أخرى لإثبات النسب إذا لم تتعارض هذه الطرق مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والقواعد الشرعية، ومن هنا اعمل الفقهاء المعاصرون جهدهم لبيان مدى إمكان اعتبار البصمة الوراثية وسيلة حديثة لإثبات النسب يستند اليها القاضي في حكمه، فأقر جمهور الفقهاء المعاصرين ان البصمة الوراثية وسيلة شرعية جديدة لإثبات النسب، وتأتي في منزلة متأخرة من الوسائل التي اتفق عليها الفقهاء، فلا تقدم على الفراش، ولا علي الاقرار، ولا علي الشهادة، وإذا توافر للقاضي شيء من هذه الوسائل المتفق عليها فلا يعتد القاضي بنتيجة البصمة الوراثية لأنها دون تلك الوسائل التي اتفق عليها الفقهاء. وقد أخذ المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي بهذا القول، واعتمد عليه في حالات التنازع على مجهول النسب وحالات الاشتباه في المواليد بالمستشفيات وحالات ضياع الأطفال واختلاطهم بسبب الحوادث والكوارث والحروب.
وذهب بعض الفقهاء المعاصرين الي ان البصمة الوراثية تحقق ما حققه الفقه الإسلامي من معرفته طرق إثبات النسب، بل تزيد عليه، وهذا مما يجعلها دليلا مقدما علي الادلة التقليدية وأن البصمة الوراثية تكون بينة مستقله يجب العمل بمقتضاها إذا توافرت الشروط اللازمة، وأنها لا تقاس على القيافة، فهي باب آخر، وأن عامة المعاصرين يرون صحة الاعتماد عليها في حالات التنازع وحالات الاشتباه والاختلاط، واستدلوا على ذلك بأن البصمة الوراثية تختص بدقة عالية جدا يستحيل اويندر جدا ان تكون نتيجة فحص البصمة الوراثية خطأ، وبناء على ذلك فهي تحتل مرتبة قوية في الاثبات إذا قورنت ببعض الوسائل الأخرى التي تحتمل الخطأ، وأقلها كثير من الفقهاء مثل العمل بالقيافة.
كما أن الشريعة جاءت بمنهج يحقق مصالح الناس ويكفل لهم حياة مستقرة ، ولاعتناء الشريعة بحفظ النسب واثباته ، وأن البينة هي كل ما يبين الحق ويظهره، ولا تختص بشهادة الشهود ، فأجازت العمل بالقرائن والامارت ودلائل الأحوال وغلبة الظن في الاحكام، والأمة قبلت في إثبات الهوية الشخصية وسائل مستحدثة أثبتت جدواها علميا وعمليا ، مثل الأخذ بنتيجة فحص بصمات الأصابع والتوقيع الخطى ، وكذلك الصورة الشخصية التي تكتفي بها الجهات الرسمية لإثبات الشخصية، ولم ينكر أحد من أهل العلم والفقه شيء من هذه الوسائل، بل استخدموها في أنفسهم كما استخدمها غيرهم، وهذا نوع من الإجماع العلمي له أثره في إثبات الأحكام، وكذلك هذه الوسيلة الجديدة _ البصمة الوراثية _ ينبغي ان تستخدم في إثبات الأبوة بالنسبة لمجهولي النسب.
وبالتأمل في أقوال العلماء والأدلة التي استدلوا بها على جواز العمل بالبصمة الوراثية في إثبات النسب، نجدها تقف جنبا إلى جنب مع وسائل الاثبات الأخرى، بل وتقدم عليهم في بعض الحالات التي حددها المجمع الفقهي الإسلامي. ولكن كل ذلك بضوابط معينة منها الضوابط الشرعية، كأن تستعمل عند الحاجة إليها، فلا تستعمل للتأكد من نسب مستقر، رعاية لجلب المصلحة منها ودرئا المفاسد، وهز الثقة بين الزوجين وإثارة الشكوك بينهما والريبة بين أفراد المجتمع. أن تنفك النتيجة عما يكذبها، فإذا كانت النتيجة مستحيلة عقلا أو حسا فهذا يوضح ما اعتراها من خطأ يسوغ رفضها وعدم الاعتماد عليها، كأن تثبت البصمة الوراثية نسب ابن ستين لابن عشرين. أن تكون أوامر التحاليل البيولوجية للبصمة الوراثية بناء على أوامر القضاء أو من له سلطة نيابية عن ولي الأمر، وأن توضع آليه دقيقه لمنع الغش والتحايل وتكون لجنة خاصة بذلك يتوافر في العاملين بها الخبرة التامة والتميز العلمي والضبط التقني حتى لا تضيع الحقوق من أصحابها، كما يتوافر فيهم العدل والأمانة والعقل والبلوغ، وأن تكون النتائج متيقنة لا تحتمل الشك.
أما الضوابط الفنية تخص المختبرات والمعامل الخاصة بفحص البصمة الوراثية بأن تكون تابعة للدولة وتحت رقابتها، مزودة بأفضل التقنيات الحديثة واعلي المواصفات، وتوثيق كافة خطوات التحليل بدءا من نقل العينات إلى ظهور النتائج، وأن يجري التحليل في مختبرين معترف بهما على الأقل، وأن تؤخذ الاحتياطات اللازمة لضمان عدم معرفة أحد المختبرين بنتيجة الآخر، وأن تحاط الاجراءات الفنية والنتائج التحليلية بسرية تامة.
ونفى النسب بالبصمة الوراثية اختلف فيه أهل العلم، قول أول لا ينفي النسب الشرعي الثالث بالفراش إلا باللعان فقط، ولا يجوز تقديم البصمة الوراثية عليه، وهذا ما عليه قرار مجمع الفقه الإسلامي.
وأما القول الثاني إنه يمكن الاستغناء عن اللعان والاكتفاء بنتيجة البصمة الوراثية إذا تيقن الزوج أن الحمل ليس منه.
والقول الثالث ان الطفل لا ينفي نسبه باللعان إذا جاءت البصمة الوراثية تؤكد صحة نسبه للزوج ولو لاعن، وينفي نسبه باللعان فقط إذا جاءت البصمة الوراثية تؤكد قوله وتعتبر دليلا تكميليا.
أما القول الرابع أنه لا وجه لإجراء اللعان إذا ثبت يقينا بالبصمة الوراثية ان الحمل أو الولد ليس من الزوج، وينفي النسب بذلك. إلا أن تكون للزوجة الحق في طلب اللعان لنفي الحد عنها، لاحتمال ام يكون حملها بسيل وطء شبهه، وإذا ثبت عن طريق البصمة الوراثية ان الولد من الزوج وجب عليه حد القذف.
والقول بجواز نفى النسب بالبصمة الوراثية يجري وفقا لما نقل الماوردي عن الشافعي أنه قال “إذا أحاط العلم أن الولد ليس من الزوج، فالولد منفى عنه بلا لعان” وبالتالي يجوز اجراء البصمة الوراثية قبل اللعان، ليستفيد القاضي من هذه التقنية المتطورة للاستعانة بها على التحقق من صحة الدعوى أو عدمها، بغرض الحيلولة دون وقوع اللعان قدر المستطاع، لحض الشارع على درء ذلك ومنعه. على العكس من ذلك قول لا يجيز إجراء البصمة الوراثية قبل اللعان، ويعدها بدعة في الدين وتشريع مالم يأذن به الله في شرعه. ولبيان الأمر والرد عليهم، لإجراء البصمة الوراثية قبل اللعان أثر في منع الكذب والتورط فيه بشهادات اللعان وايمانه، ويزيد من فرص التأمل والتروي، لأن الكاذب يعلم أن أمره سينكشف، فربما منعه ذلك وتاب إلى الله، وفي هذا مصلحة معتبرة لما تنطوي عليه من التستر والتوبة والعدول عن الكذب.
كل ذلك يدعون إلى تهيئة النفس والمجتمع للتعامل مع المكتشفات الحديثة وإعداد الطاقات البشرية لاستيعابها وتطويعها لخدمة الإنسان والإفادة من كل ما هو جديد

 184 total views,  3 views today

عن محمد أسامة

شاهد أيضاً

التحول الرقمي

بقلم: د/جيلان محمود شرف تخطو مصر خطوات جادة و سريعة نحو الرقمية لتلحق بركاب الدول المتقدمة …

error: Content is protected !!