رأب الصدع ومفتاح الحل

0

رأب الصدع ومفتاح الحل

بقلم د يسري الشرقاوي رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة ومستشار الاستثمار الدولي والتنمية الاقتصادية 

 

.يُعدّ التباعد بين التصريحات الرسمية والواقع اليومي أحد أبرز التحديات التي تواجه العديد من الدول النامية، إذ يتحول الخطاب الحكومي أحياناً إلى وعود متكررة دون أن يلمس المواطن أثراً ملموساً في حياته اليومية. هذا الانفصال يغذي الشعور بالإحباط، ويُضعف الثقة المتبادلة، ويُعزز الفجوة بين المؤسسات والشعب.

ويحدث ذلك في دول العالم الثالث على وجه الخصوص، حيث تتداخل التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع محدودية الموارد، وهنا يصبح رأب هذا الصدع شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني على المدى الطويل.

وفي هذا الإطار، تختلف آليات اختيار المسؤولين في الصف الأول والمتحدثين الرسميين وأدوات العمل الحكومي بين الدول المتقدمة والنامية. ففي الدول المتقدمة، يقوم الاختيار على معايير الكفاءة المهنية والخبرات التخصصية المتراكمة والأداء السابق، مع آليات تقييم دورية مستقلة، وتدريب مستمر، وفصل نسبي بين الولاء السياسي والقدرة الإدارية. كما تُدار أجهزة الإعلام الحكومي بمعايير مهنية عالية تضمن الشفافية والمساءلة، مما يُعزز مصداقية الخطاب الرسمي ويقرب المسافة بين السلطة والمواطن.

وبالمقارنة، تظهر تجارب دول مثل المغرب وتونس وجنوب أفريقيا والإمارات وسنغافورة والصين تفاوتاً واضحاً. ففي سنغافورة والإمارات، يُركز النظام على اختيار الكفاءات الفنية ذات الخبرات الدولية، مع هياكل وزارية محدودة نسبياً تُركز على النتائج.

أما الصين فتعتمد على آليات حزبية صارمة تجمع بين الولاء والأداء الاقتصادي الملموس. وفي المقابل، تواجه بعض الدول الأفريقية والعربية تحديات في التوازن بين الاعتبارات السياسية والكفاءات الفنية، مما ينعكس على سرعة الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

وتتجلى احدى مؤشرات هذا التباين في حجم الهياكل الوزارية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.

فحسب تقديرات عام ٢٠٢٥، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة نحو ٣٢،٤ تريليون دولار مع حوالي ١٥ وزارة رئيسية و٢٢ إلى ٢٣ عضواً في مجلس الوزراء.

وفي الصين يصل الناتج إلى نحو٢٠،٩ تريليون دولار مع ٢٦ إدارة مكونة لمجلس الدولة. أما ألمانيا فيبلغ ناتجها حوالي ٥،٤٥ تريليون دولار مع ١٧ وزيراً، والمملكة المتحدة نحو ٤،٢٦ تريليون دولار مع حوالي ٢٣ إلى ٢٨ عضواً في الحكومة. وفي أستراليا يبلغ الناتج نحو ٢،١٢ تريليون دولار مع ٢٣ وزيراً في مجلس الوزراء.

وعلى الجانب الآخر، يصل ناتج جنوب أفريقيا إلى نحو ٤٨٠ مليار دولار مع حوالي ٣٢ إلى ٣٤وزيراً ، ونيجيريا إلى نحو ٣٧٧ مليار دولار بهيكل وزاري أكبر نسبياً، ومصر إلى نحو ٤٣٠ مليار دولار مع حوالي ٢٨ وزيراً ، هذه الأرقام تُظهر أن كفاءة الأداء لا ترتبط بالضرورة بعدد الحقائب، بل بمدى قدرة الهيكل على التنفيذ الفعلي وربط السياسات بالنتائج الاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا يمكن استخلاص معايير تقييم كفاءة الحكومات في ارتباطها بمستويات المعيشة ومتوسطات الدخول. فالأداء الحقيقي يُقاس بتحسن الخدمات العامة، وارتفاع الإنتاجية، واستقرار الأسعار، وخلق فرص العمل، وليس بحجم التصريحات والوعود المستقبلية. كما أن الاعتماد على أهل الكفاءة بدلاً من أهل الثقة يُعدّ المسار الأكثر استدامة، إذ تُظهر التجارب الدولية أن الدول التي تُؤسس آليات موضوعية للاختيار والتقييم والترقية على أساس الجدارة تحقق تقدماً أسرع في رأب الفجوة مع مواطنيها.

وفي ضوء ذلك، تتلخص الطريقة المثلى المستخلصة من التجارب الدولية في بناء منظومة اختيار شفافة تعتمد على معايير معلنة، وتقييمات مستقلة، وتدريب مستمر، ومساءلة دورية مرتبطة بنتائج قابلة للقياس، مع تقليص التدخلات السياسية في المناصب الفنية.

هذا النهج يُعزز الثقة ويحول الخطاب الرسمي إلى واقع ملموس.

وبناءً على ما سبق، نقترح التوصيات التالية:
• تبني آليات اختيار موضوعية للكفاءات في المناصب العليا تعتمد على الخبرة والأداء لا على الولاءات الشخصية.

• تقليص عدد الحقائب الوزارية حيثما أمكن، مع التركيز على التنسيق والكفاءة التنفيذية.
• تعزيز الشفافية في التواصل الحكومي وربطه بمؤشرات أداء واضحة يُتابعها المواطن بنفسه.
• إنشاء آليات تقييم دورية مستقلة لنتائج السياسات وربطها بتحسين مستويات المعيشة.
• الاستثمار في بناء قدرات الكوادر الإدارية وتبادل الخبرات مع النماذج الناجحة دولياً.
• تعزيز قنوات الحوار المستمر بين الحكومة والمواطنين لضمان استجابة السياسات المتبعة مع الاحتياجات الحقيقية.

إن تصحيح هذا المسار لا يُعدّ خياراً إدارياً فحسب، بل هو استثمار في الاستقرار الشامل الذي يفتح آفاقاً أوسع للتنمية المستدامة، ويُعيد بناء جسور الثقة، ويُمهد لمستقبل أكثر إشراقاً يقوم على الشراكة الفعلية بين الحكومات والشعوب.