إيرادات غير مسبوقة لشركات الاتصالات السعودية
حققت شركات الاتصالات السعودية المدرجة في السوق المالية إيرادات تتجاوز 14.8 مليار دولار (55.53 مليار ريال) خلال النصف الأول من 2026، بنمو قدره 3.59 في المائة، مدفوعةً بارتفاع إيرادات خدمات العملاء وقطاع الأعمال ونمو إيرادات النواقل والمشغلين، والزيادة في قاعدة العملاء، وتحسن مزيج الإيرادات.
واستحوذت «إس تي سي» السعودية على 72.2 في المائة من إيرادات شركات القطاع خلال النصف الأول من 2026، بإجمالي 10.7 مليار دولار (40.11 مليار ريال)، مسجلةً زيادة وصلت إلى 3.75 في المائة على أساس سنوي، كما نمت إيرادات «موبايلي» بنسبة 5.35 في المائة، لتصل إلى 2.7 مليار دولار (10.12 مليار ريال)، فيما انخفضت إيرادات «زين السعودية» 0.7 في المائة إلى 1.4 مليار دولار (5.3 مليار ريال).
ويضم القطاع 4 شركات مدرجة السعودية، 3 منها ينتهي عامها المالي في ديسمبر (كانون الأول)، وهي: «الاتصالات» (إس تي سي)، و«اتحاد اتصالات» (موبايلي)، و«الاتصالات المتنقلة» (زين السعودية)، في حين ينتهي العام المالي لشركة «اتحاد عذيب للاتصالات» (جو)، في نهاية مارس (آذار) من كل عام.
وكشفت النتائج المالية لقطاع الاتصالات السعودي عن نمو صافي أرباح الشركات الثلاث خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 2.33 في المائة، لتصل إلى 9.5 مليار ريال، مقارنةً بالفترة المماثلة من العام الماضي، التي حققت خلالها أرباحاً بـ9.29 مليار ريال، وبزيادة تقدر بـ216 مليون ريال.
وجاءت الزيادة في الأرباح نتيجة ارتفاع أرباح «موبايلي» بنسبة 11.5 في المائة، لتصل إلى 1.78 مليار ريال، ونمو أرباح «زين السعودية» بنسبة 84.1 في المائة إلى 405 ملايين ريال، فيما تراجعت أرباح «إس تي سي» بنسبة 2.05 في المائة إلى 7.32 مليار ريال.
وعلى مستوى نتائج الربع الثاني من 2026، ارتفعت إيرادات شركات قطاع الاتصالات إلى 28 مليار ريال، إلا أنها سجلت انخفاضاً طفيفاً بنسبة 1.1 في المائة إلى 4.73 مليار ريال مقارنةً بـ4.78 مليار ريال في الربع المماثل من العام الماضي.
وجاء انخفاض أرباح الربع الثاني، متأثرة بتراجع أرباح شركة الاتصالات السعودية «إس تي سي»، بنسبة 5.2 في المائة، إلى 3.623 مليار ريال، مقابل 3.82 مليار ريال في الربع المقارن من العام الماضي، فيما ارتفعت أرباح شركتي «موبايلي» و«زين السعودية» بنسبة 8.55 و60.6 في المائة على التوالي، لتصل إلى 901 مليون ريال و204 ملايين ريال على الترتيب.
استمرار الطلب
وفي تعليق على هذه النتائج، قال الخبير المالي والاقتصادي عضو «جمعية الاقتصاد» السعودية الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الأرقام جاءت مطمئنة؛ فقد تجاوزت الأرباح المجمعة لشركات القطاع 9.5 مليار ريال بنمو بلغ 2.3 في المائة، كما ارتفعت إيراداتها لأكثر من 55.5 مليار ريال، وهو ما يعكس استمرار الطلب على خدمات الاتصالات والتقنية، ويؤكد أن القطاع لا يزال أحد أكثر القطاعات استقراراً وربحية في السوق المالية السعودية.
وأضاف أن اللافت في النتائج هو التفاوت الواضح في أداء الشركات، موضحاً أن «موبايلي» قدّمت نتائج مميزة، وواصلت تحسين ربحيتها من خلال رفع الكفاءة التشغيلية، وتنويع مصادر الدخل، والتوسع في الخدمات الرقمية، وهو ما انعكس على نمو أرباحها بأكثر من 11 في المائة، كما سجّلت «زين» القفزة الأكبر، بنمو تجاوز 84 في المائة، وهي نتيجة تعكس نجاح الإدارة في إعادة هيكلة الأعمال، وضبط المصروفات، وتحسين هوامش الربحية، بعد سنوات من العمل على تعزيز المركز المالي للشركة.
في المقابل، تراجعت أرباح «إس تي سي» بصورة طفيفة، إلا أن هذا التراجع لا يدعو إلى القلق، فما زالت الشركة تُحقق أكثر من 7.3 مليار ريال أرباحاً، وتستحوذ على ما يزيد على 72 في المائة من إيرادات القطاع، وهو ما يؤكد استمرار ريادتها، مضيفاً أن انخفاض الأرباح يعود في المقام الأول إلى ارتفاع حجم الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، وشبكات الجيل الخامس، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، وهي استثمارات سترسم ملامح نمو الشركة خلال السنوات المقبلة.
وأشار الدكتور الخالدي إلى أن أهم ما كشفت عنه النتائج هو أن شركات الاتصالات تواجه اليوم ارتفاعاً في التكاليف التشغيلية والرأسمالية، في ظل تسارع الاستثمار في التقنيات الحديثة، واشتداد المنافسة، وارتفاع متطلبات الأمن السيبراني، وتطور الخدمات الرقمية، ولم تعد شركات الاتصالات تبيع دقائق اتصال أو باقات بيانات فقط، بل أصبحت شركات تقنية متكاملة، تتنافس في الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والخدمات الرقمية، وهذه التحولات تتطلب استثمارات ضخمة قبل أن تنعكس بصورة أكبر على الأرباح، وستكون المرحلة المقبلة مختلفة، والكلمة للشركة الأكثر قدرة على تحويل هذه الاستثمارات إلى تدفقات نقدية مستدامة وربحية أعلى، وليس فقط إلى نمو في الإيرادات.
التحول الرقمي
ويتوقع الدكتور الخالدي أن يدخل قطاع الاتصالات السعودي مرحلة أكثر نضجاً، مدعوماً بالتحول الرقمي الكبير الذي تشهده المملكة، وبرامج «رؤية السعودية 2030»، وأن يستمر نمو القطاع في السنوات المقبلة، مع تحسن تدريجي في هوامش الربحية كلما بدأت الاستثمارات الحالية في تحقيق عوائدها، مضيفاً أن النتائج الحالية تؤكد أن القطاع يسير في الاتجاه الصحيح، وأن اختلاف معدلات نمو الأرباح بين الشركات ليس مؤشراً على ضعف، بل يعكس اختلاف الاستراتيجيات ودورات الاستثمار، ومَن يقرأ الأرقام بعمق يدرك أن المستقبل في هذا القطاع سيكون لمن يجمع بين الابتكار، والكفاءة التشغيلية، والانضباط المالي.
من جانبه، يرى الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»، محمد حمدي عمر، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، أن نتائج أداء شركات القطاع خلال النصف الأول من 2026 تعكس استمرار متانة قطاع الاتصالات السعودي وقدرته على تحقيق نمو في الإيرادات والأرباح، إلا أن قراءة النتائج تحتاج إلى التمييز بين النمو المحاسبي والنمو التشغيلي الفعلي لكل شركة، مضيفاً أن استحواذ «إس تي سي» على أكثر من 72 في المائة من الإيرادات المجمعة يعكس الفارق الكبير في الحجم ونطاق الأعمال، وليس فقط عدد المشتركين في خدمات الاتصالات التقليدية، فالمجموعة تمتلك حضوراً واسعاً في خدمات قطاع الأعمال، والربط الدولي، والبنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والتقنيات المالية، إلى جانب عملياتها وشركاتها التابعة داخل المملكة وخارجها، متوقعاً عدم حدوث تقارب في إجمالي الإيرادات بين الشركات الثلاث خلال المستقبل القريب؛ لأن الفارق يرتبط بهيكل الأعمال والأصول والاستثمارات المتراكمة، وليس بمجرد المنافسة على شرائح الهاتف المحمول.
وأضاف أننا قد نشهد تقارباً تدريجياً في معدلات النمو والربحية التشغيلية، خصوصاً مع نمو إيرادات موبايلي بنسبة 5.3 في المائة وارتفاع أرباحها بنسبة 11.5 في المائة خلال النصف الأول، وتحسن مزيج إيرادات «زين السعودية» وكفاءتها التشغيلية. وهذا يعني أن المنافسين يستطيعون تقليص الفجوة داخل قطاعات محددة، مثل الجيل الخامس، وخدمات المنشآت، والحلول الرقمية، ولكن من الصعب أن ينعكس ذلك سريعاً على الحصة الإجمالية من إيرادات القطاع، مشيراً إلى أن حصة الشركة من الإيرادات ليست بالضرورة مساوية لحصتها السوقية من المشتركين؛ لأن إيرادات خدمات الشركات والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والخدمات الرقمية تختلف في قيمتها وهوامشها عن إيرادات خدمات الأفراد.
مراكز البيانات
ويتوقع عمر أن يحافظ قطاع الاتصالات السعودي على مسار نمو إيجابي ومعتدل خلال النصف الثاني من 2026، مع انتقال المنافسة بصورة أكبر من بيع الاتصال والبيانات إلى تقديم منظومة متكاملة من الخدمات الرقمية، كما سيأتي النمو المتوقع بصورة رئيسية من الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والأمن السيبراني، وإنترنت الأشياء، والخدمات المدارة للمنشآت والجهات الحكومية، إضافة إلى الحلول المالية والمنصات الرقمية، وستكون خدمات قطاع الأعمال أكثر تأثيراً في نمو الإيرادات من خدمات الاتصالات التقليدية، التي أصبحت سوقاً أكثر نضجاً.
ويرجح أن يظهر أثر الذكاء الاصطناعي على نتائج أداء شركات القطاع على مرحلتين؛ تبدأ الأولى بتحسين الكفاءة التشغيلية من خلال إدارة الشبكات، وتوقع الأعطال، وخدمة العملاء، ومكافحة الاحتيال، وترشيد النفقات، وفي المرحلة التالية سيتحول إلى مصدر مباشر للإيرادات عبر البنية التحتية المخصصة للذكاء الاصطناعي، والخدمات السحابية، وتحليل البيانات، والحلول المقدمة للشركات والقطاعات الحكومية.
كما يتوقع عمر استمرار شركة «stc» في تحقيق نمو مستقر مدعوماً بتنوع أعمالها وتوسع أعمالها داخل القطاع مع استمرار تركيزها على الاستحواذات لتزيد من محفظة شركاتها وتنوعها، مع ملاحظة أن انخفاض صافي ربحها المعلن بنسبة 2 في المائة لا يعكس كامل الأداء التشغيلي؛ إذ ارتفع الربح بنسبة 6.3 في المائة بعد استبعاد البنود غير المتكررة، كما تحسن الربح التشغيلي بنسبة 7.8 في المائة.
ويرجح أن تواصل «موبايلي» تسجيل أداء قوي إذا حافظت على نمو الإيرادات وتحسن الهوامش؛ حيث ارتفع هامش الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء إلى 38.9 في المائة خلال النصف الأول، مضيفاً أن «زين السعودية»، قد تستمر في تحسين الربحية، لكن نسبة النمو البالغة 84 في المائة لا يُتوقع بالضرورة استمرارها بالمعدل نفسه، لوجود دخل غير متكرر بلغ 112 مليون ريال؛ وبعد استبعاده يصبح نمو الأرباح الأساسي أقرب إلى 8 في المائة.
ويرجح عمر أن يعتمد أداء القطاع في النصف الثاني على قدرة الشركات على تحويل استثماراتها الرقمية إلى إيرادات متكررة ذات هوامش مرتفعة، مضيفاً أن المنافسة الحقيقية المقبلة لن تكون فقط على عدد المشتركين أو أسعار الباقات، بل على مَن يستطيع أن يتحول بصورة أسرع من شركة اتصالات إلى شركة تقنية رقمية متكاملة.