السعودية تحصّن سلاسل الإمداد بمظلة وطنية لمخاطر الحرب

0

في أوقات الأزمات لا تتوقف التجارة بالضرورة عندما تتعطل الموانئ، أو تغلق ممرات الملاحة؛ أحياناً يبدأ الاضطراب من مكان آخر، حين تصبح البضاعة أو السفينة أكثر تكلفة للتأمين، أو تعجز الأسواق عن توفير التغطية اللازمة لمخاطر الحرب.

السعودية تحصّن سلاسل الإمداد بمظلة وطنية لمخاطر الحرب

ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، وامتداد تأثيرها إلى حركة الملاحة، وأسواق التأمين، وإعادة التأمين، تتحرك السعودية لإنشاء مظلة وطنية تساعد تجارتها على مواصلة الحركة حتى في بيئة بحرية شديدة التقلب.

ومن هذا المنطلق جاء إقرار مجلس الوزراء إنشاء «الوعاء السعودي لتأمين أخطار الحرب للبضائع والسفن»، في خطوة تستهدف توفير قدرة تأمينية محلية لمواجهة المخاطر التي قد ترفع تكلفة النقل، والتجارة، أو تحد من قدرة شركات التأمين العالمية على تقديم التغطيات، بما يعزز استمرارية حركة البضائع، ويدعم أعمال الشركات المرتبطة بالنقل، والخدمات اللوجستية.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة للسعودية في ظل توسع دورها كمركز للتجارة، والخدمات اللوجستية، إذ إن تنافسية الموانئ ومراكز التوزيع لا ترتبط فقط بسرعة المناولة، وتكلفة النقل، وإنما أيضاً بقدرة الشركات على تسعير المخاطر، والتعامل معها عندما تتغير الظروف الجيوسياسية بصورة مفاجئة.

وكان وزير المالية محمد الجدعان أكد عقب إقرار مجلس الوزراء هذه الآلية أن الوعاء السعودي للتأمين البحري يُعد آلية وطنية متخصصة تهدف إلى دعم استمرارية حركة التجارة وسلاسل الإمداد بالشراكة بين القطاعين العام، والخاص.

وأوضح أن إنشاء هذا الوعاء سيسهم بشكل مباشر في رفع الجاهزية الفنية لسوق التأمين المحلية، وتوسيع قدرتها الاستيعابية لتقديم التغطيات التأمينية اللازمة وفق ضوابط وأطر محددة من هيئة التأمين.

وأضاف أن هذا التوجه يدعم مرونة الاقتصاد الوطني، ويضمن استقراره في مواجهة الأزمات والتحديات الإقليمية، والدولية.

ويرى مختصون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن القيمة الاقتصادية للوعاء ستظهر خصوصاً خلال فترات الأزمات، عندما تقفز أقساط التأمين، أو تتشدد شركات التأمين وإعادة التأمين في قبول مخاطر مرتبطة بمناطق معينة، معتبرين أن توفير مظلة مستقرة للتغطية يمكن أن يمنح شركات النقل والمستوردين والمصدرين مساحة أكبر للتخطيط، والاستمرار في تنفيذ أعمالهم.

استقرار البيئة التأمينية

وقال المختص في الخدمات اللوجستية، نشمي الحربي، إن ارتفاع مخاطر الملاحة في البحر الأحمر والخليج دفع بعض شركات التأمين إلى تشديد شروط تغطية السفن المرتبطة بالمنطقة، ما يجعل إنشاء الوعاء السعودي في توقيت مهم لشركات النقل، والخدمات اللوجستية المحلية، إذ يسهم في تقليص أحد أبرز مصادر عدم اليقين التي تواجه عقود النقل الدولية.

وأضاف الحربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الشركات الدولية التي تتعامل مع السعودية أو تمر شحناتها عبر موانئها ستستفيد بدورها من زيادة وضوح واستقرار البيئة التأمينية، موضحاً أن نطاق الوعاء لا يقتصر على السفن الموجودة في المملكة، وإنما يشمل الأنشطة والشركات ذات المصالح السعودية، وفق شروط الأهلية، والتغطية المعتمدة.

ويرى الحربي أن توفير مظلة مستقرة لمخاطر الحرب يعزز جاذبية السعودية كمركز إقليمي للتخزين، والتوزيع، وإعادة التصدير، مشيراً إلى أن شركات الخدمات اللوجستية لا تنظر عند اختيار وجهاتها إلى تكلفة الميناء، والنقل، والمناولة فحسب، بل تضع في الحسبان أيضاً تكلفة المخاطر التي ترافق البضائع والسفن طوال الرحلة.

تكلفة المخاطر

من ناحيته أكد الخبير في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية المهندس خالد الغامدي أن أهمية «الوعاء السعودي لتأمين أخطار الحرب» تتجاوز توفير التغطية التأمينية للسفن، والبضائع، لتشمل معالجة تحدٍّ أعمق تواجهه الشركات يتمثل في صعوبة التنبؤ بتكلفة المخاطر عندما تتغير الظروف الجيوسياسية بصورة مفاجئة.

وأوضح الغامدي أن وجود مظلة وطنية لمخاطر الحرب يمنح شركات الخدمات اللوجستية السعودية قدراً أكبر من الاستقرار عند التخطيط للرحلات، وإبرام العقود، وتحديد الأسعار. وقال إن الشركات التي تدير آلاف الحاويات لا تحتاج فقط إلى معرفة تكاليف الوقود، والنقل، والمناولة، وإنما تحتاج أيضاً إلى قدر أكبر من اليقين بشأن تكلفة التأمين، بحيث لا تتحول المخاطر التأمينية بصورة مفاجئة إلى تكلفة مرتفعة، أو عائق أمام استمرار الرحلات.

وأشار إلى أن القرار يبعث برسالة إلى الشركات اللوجستية الدولية مفادها بأن السعودية تواصل بناء بيئة تجارية قادرة على العمل حتى في ظل اضطراب حركة الملاحة، معتبراً أن ذلك قد يكون عاملاً إضافياً في قرارات الشركات العالمية المتعلقة باختيار الموانئ، ومراكز التوزيع، وإعادة التصدير.

وأضاف أن اختيار المركز اللوجستي لا يعتمد على الموقع الجغرافي وتكلفة النقل وحدهما، وإنما يتأثر أيضاً بقدرته على امتصاص الصدمات، وإدارة المخاطر المصاحبة لحركة التجارة، لافتاً إلى أن تعزيز هذه القدرة يمكن أن يدعم مرونة سلاسل الإمداد، ويرفع ثقة الشركات الدولية، ويفتح المجال أمام شراكات أكثر فاعلية في إدارة المخاطر.

ترتيبات الوعاء التأميني

وتقوم المبادرة على إنشاء آلية تأمينية وطنية تجمع القطاعين العام والخاص تحت إشراف «هيئة التأمين»، بهدف تعزيز قدرة سوق التأمين المحلية على التعامل مع مخاطر الحرب المرتبطة بالنقل البحري، والتخفيف من أثر التقلبات، وارتفاع تكاليف إعادة التأمين في الأسواق العالمية. كما تستهدف المبادرة دعم تنافسية السعودية كمركز لوجستي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أدوات أكثر مرونة لإدارة المخاطر التي تواجه حركة التجارة، والنقل.

وعلى صعيد التنفيذ، أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التأمين» (إعادة) اختيارها من قبل «هيئة التأمين» لقيادة وتأطير ترتيبات الوعاء، بمشاركة شركات التأمين العاملة في السوق المحلية.

وستتولى «إعادة» إدارة العمليات الفنية، وترتيبات إعادة التأمين الخاصة بالوعاء، بما يتيح للمستفيدين الحصول على التغطيات من خلال شركات التأمين المشاركة، وفق الشروط والأحكام المعتمدة.

أهداف المبادرة

وحددت «هيئة التأمين» أربعة أهداف رئيسة لإنشاء الوعاء، تتمثل في تعزيز جاهزية سوق التأمين وقدرتها على استيعاب مخاطر التأمين البحري، ودعم استمرارية حركة التجارة وسلاسل الإمداد، والحد من أثر التقلبات الحادة وارتفاع تكاليف إعادة التأمين في الأسواق العالمية، إلى جانب تعزيز تنافسية السعودية كمركز لوجستي محوري.

ويشمل نطاق التغطيات التي يوفرها الوعاء تأمين البضائع المنقولة عبر الطرق البرية، والبحرية، والجوية، وتأمين أجسام السفن ضد الأضرار والمخاطر المشمولة بالتغطية، إضافة إلى مسؤوليات المستأجرين، وتغطيات الحماية، والتعويض، بما يوفر نطاقاً أوسع من الحماية لمختلف الأطراف المرتبطة بعمليات النقل، والتجارة. وتشمل قائمة المستفيدين من الوعاء المصدرين، والمستوردين، ومالكي السفن، ومشغليها، وشركات الشحن، والنقل البحري، والقطاعات المرتبطة بحركة البضائع، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد، إلى جانب شركات التأمين الوطنية المشاركة في الوعاء.

نماذج دولية

ولا تقتصر هذه الآلية على السعودية، إذ لجأت دول أخرى إلى إنشاء أوعية وطنية للتعامل مع ارتفاع مخاطر الحرب، وصعوبة الحصول على التغطية من أسواق التأمين التقليدية. وتبرز الهند نموذجاً حديثاً في هذا المجال، بعدما أطلقت هذا العام وعاءً للتأمين البحري بقدرة إجمالية تبلغ 1.5 مليار دولار، منها 1.4 مليار دولار في صورة ضمان سيادي، لتغطية مخاطر الحرب على السفن، والبضائع المرتبطة بالمصالح الهندية. وأظهرت التجربة الهندية حجم الطلب على هذا النوع من التغطيات، إذ أصدرت المنظومة أكثر من 1600 وثيقة خلال أسابيع من بدء عملها، فيما تراجعت أقساط التأمين على مخاطر الحرب بنحو 35 إلى 40 في المائة من مستويات الذروة التي سجلتها خلال تصاعد التوترات في المنطقة.

ويعكس هذا الاتجاه تحولاً في تعامل الدول مع مخاطر الحرب البحرية، من الاعتماد الكامل على أسواق التأمين وإعادة التأمين العالمية إلى تطوير قدرات وطنية تساعد على استمرار حركة التجارة عندما ترتفع تكلفة التغطية، أو تتقلص شهية شركات التأمين الخاصة لتحمل المخاطر.