أدنبرة تحت المطر – مدينة تُقرأ مثل الرواية.
أدنبرة تحت المطر – مدينة تُقرأ مثل الرواية.
الكاتبة: جميلة محمد قطبة.
بعض المدن يليق بها الصيف وبعضها لا يكتمل سحره إلا حين تتزين شوارعه بالمطر. أدنبرة، بالنسبة لي كانت من النوع الثاني. مدينة لم أحتاج فيها إلى أيام طويلة حتى أشعر بسحرها بل شعرت به منذ اللحظة الأولي.
قمت بزيارتها مع أخي الحبيب في شهر ديسمبر ليوم واحد فقط، لكن ذلك اليوم بدأ أطول من الزمن نفسه، ممتلئ بالدفء والكتب واللوحات والأحاديث التي لا تحتاج إلى مناسبة ، حيث كان المطر شريكاً لنا. لم يكن مطرا يُفسد اليوم، بل كان جزءًا من جماله وروعته ، يلمع فوق الأرصفة الحجرية ويغسل واجهات المباني ليجعل ألوانها أكثر عمقًا. فيما يسير الناس مسرعين تحت المظلات، وتنبعث من المقاهي أضواء دافئة ورائحة القهوة الذكية ، حتي تبدو وكأنها دعوة خفية للدخول .
كانت زيارتي إلى أدنبرة مع أخي تحمل بالنسبة لي رغبة واضحة منذ البداية: أردت أن أرى ذلك الوجه من المدينة الذي ارتبط في مخيلة الكثير من الزوار بعالم “هاري بوتر” الشهير. الشوارع القديمة والواجهات الملونة، الأزقة التي تبدو وكأنها خرجت من صفحات رواية، ومحلات صغيرة ممتلئة بتذكارات تحمل شيئًا من العالم الذي أحببناه في الكُتب والأفلام.
ومع استمرار قطرات المطر، لجأنا أنا وأخي إلى هايد أوت كافية “HIDEOUT CAFE”، مقهى صغير جدًا ودافئ، كان إسمه في تلك اللحظة مناسبًا تمامًا لما كنا نفعله؛ فقد كنا بالفعل نختبئ من المطر.
جلسنا نتبادل أطراف الحديث كما نفعل دائمًا عندما نخرج وحدنا. أحب هذه الأوقات معه تحديدًا؛ أحاديث بسيطة لا تحتاج إلى ترتيب، تبدأ من تفاصيل يومية وتتشعب إلى الحياة والذكريات وما بينهما.
حين خرجنا، كان لابد أن نعقد هدنة حقيقية مع الطقس الاسكتلندي، فاشترينا مظلة كبيرة تكفينا نحن الإثنين ثم واصلنا المشي.
لكن أدنبرة لم تكن قد كشفت لي بعد عن أكثر تفاصيل ذلك اليوم قريبًا إلى نفسي. لفت انتباهي متجر صغير يعرض لوحات ورسومات لفنانين، بعضهم معروف وبعضهم ربما لم اسمع باسمه من قبل.
توقفت أمام الأعمال طويلا؛ كانت الرسومات بأحجام مختلفة، لكنها تشترك في شيء واحد؛ كانت تنيض بالحياة. كانت الجدران مغطاة بلوحات ورسومات بأحجام متعددة، مصطفة داخل إطارات بيضاء أنيقة، أمامي، بحار شديدة الزرقة وسماء ممتدة فوق جبال بعيدة وقوارب صغيرة عند الشاطئ وشجار خريفية تشتعل بالبرتقالي والأحمر. كانت بعض اللوحات هادئة وبعضها قويًا صاخبًا بالألوان، لكن جميعها بدت وكأنها تحمل شيئًا من الطبيعة الاسكتلندية. لطالما أحببت الأسود والأبيض، ربما لأن بينمها صدقًا خاصًا، لا ضجيح فيهما ولا محاولة لإبهار العين، فقط ضوء وظل ومساحة يتركها الفنان لك لكي تكمل الحكاية بنفسك.
وقبل أن ينتهي يومنا، بقي المكان الأقرب إلى قلبي: مكتبة صغيرة. دخلت محلاً صغيرًا يكاد لا يتسع إلا لعدد قليل من الأشخاص، لكنه كان بالنسبة لي عالمًا كاملاً. رفوف متقاربة ورائحة الورق المعتق وروايات تنتظر من يفتح صفحاتها. وبين تلك الرفوف وجدتها، رواية “كبرياء وتحامل” للكاتبة جين أوستن وهي واحدة من الروايات التي أحبها كثيرًا. لكن النسخة التي وجدتها كانت جميلة على نحو جعلني احملها فورًا: غلاف أزرق ملكي داكن تزينه تفاصيل ذهبية أنيقة، فبدت الرواية كأنها كتاب خرج من زمن آخر. خرجت من المكتبة وقد بدأ يومنا يقترب من نهايته، والمطر ما زال حاضرًا والمدينة ما زالت تلمع تحت أضوائها الشتوية.
حين أفكر في أدنبرة اليوم، لا أتذكرها كقائمة من المعالم السياحية. أتذكرها كإحساس. لهذا إن سألتني متى ينبغي أن تزور أدنبرة، فقد أقول لك: زُرها حين تُمطر. ذلك هو سحر أدنبرة، مدينة قد نذهب إليها بحثًا عن هاري يوتر، ثم تكتشف أن المدينة نفسها كانت الرواية الأجمل.

