قانون الفجوة المالية.. خطوة لكسر جمود أعقد أزمة في تاريخ لبنان

بعد أكثر من 6 سنوات على اندلاع الأزمة المالية والمصرفية في لبنان، وضعت الحكومة اللبنانية للمرة الأولى رقماً رسمياً لحجم الخسائر، مقدّرة الفجوة المالية بنحو 83 مليار دولار، في خطوة تُعد مفصلية على طريق معالجة واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في تاريخ البلاد.

كسر الجمود في لبنان

وأعتبر وزير المالية اللبناني ياسين جابر أن مشروع القانون لم يُقدَّم على أنه موافقة نهائية من صندوق النقد الدولي، بل جاء نتيجة مشاورات مستمرة ضمن مسار تفاوضي لم يكتمل بعد.

وأقر جابر بوجود ملاحظات تقنية تتعلق بحماية المودعين واستدامة الدين العام، مشدداً على أن الحكومة لا تدّعي “الكمال في الصيغة الحالية”، بل تسعى إلى كسر الجمود المستمر منذ 6 سنوات وإظهار جدية الدولة في معالجة الأزمة.

وتمثل الفجوة المالية، الفرق بين التزامات المصارف ومواردها الفعلية، باتت في صلب مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع الذي أحالته الحكومة إلى مجلس النواب، وسط انقسام سياسي ومالي واسع حول مضامينه وتداعياته.

طالع المزيد: حكومة لبنان تقر قانون استعادة الودائع وتحيله إلى مجلس النواب

وأكد الوزير اللبناني أن سحب المشروع من مجلس النواب غير مطروح، إذ أن النقاش والتعديلات يجب أن تتم داخل البرلمان، صاحب القرار النهائي.

مشروع القانون الجديد يطرح إطاراً عاماً لتنظيم الخسائر وتحديد آلية رد الودائع المحجوزة في المصارف اللبنانية، مع اعتماد سقف 100 ألف دولار كمعيار أساسي لتصنيف المودعين. وبحسب الصيغة المطروحة، يُفترض أن تُسترد ودائع صغار المودعين، أي الذين تقل ودائعهم عن هذا السقف، على مدى 4 سنوات، في حين يحصل كبار المودعين على 100 ألف دولار نقداً، بينما يحول الجزء المتبقي من ودائعهم إلى شهادات مالية مدعومة بأصول، يصدرها مصرف لبنان.

رد الأموال لـ782 ألف حساب بنكي في بيروت

وشدد جابر على أن القانون هو قانون إطار لا يتضمن أرقاماً نهائية، باعتبار أن تحديد حجم الفجوة والمسؤوليات يتطلب أولاً إجراء تدقيق دولي مستقل، موضحاً أن أول بنوده يلزم مصرف لبنان بتعيين شركة تدقيق وفق المعايير الدولية لتدقيق حساباته وحسابات المصارف والودائع.

ولفت الوزير إلى أن الخطة، في مرحلتها الأولى، تستهدف حماية الغالبية الساحقة من الحسابات المصرفية، إذ سيسترد كامل المبلغ ضمن سقف المئة ألف دولار نحو 782 ألف حساب.

مديرة إدارة التواصل في صندوق النقد الدولي جولي كوزاك كانت اعتبرت في تصريح لـ”الشرق” أن مشروع القانون “يعتبر خطوة أولى مرحّباً بها، إلا أنّه يشوبه بعض أوجه القصور”، أضافت: “نشجع السلطات على العمل مع مجلس النواب لإدخال تعديلات جوهرية تضمن التوافق التام مع المعايير الدولية، وتكفل إعادة تأهيل النظام المصرفي، مع توفير أقصى حماية ممكنة للمودعين بما يتسق مع استدامة الديون”.

القانون بين مؤيد ومعارض

يتعهد مصرف لبنان، وفق المشروع، بتغطية 60% من قيمة الودائع المشمولة بخطة الاسترداد النقدي، مقابل 40% تتحملها المصارف، فيما ترتفع مساهمة مصرف لبنان إلى 80% في ما يتعلق بالشهادات المالية، مقابل 20% على المصارف. كما تنص الخطة على الاستعانة بشركة تدقيق دولية مستقلة لتحديد الحجم النهائي للفجوة المالية، وسط تقديرات تتراوح حالياً بين 72 و80 مليار دولار.

المحلل الاقتصادي والمالي وليد أبو سليمان رأى أن مشروع القانون المطروح يحمّل المودعين الجزء الأكبر من الخسائر، مشيراً إلى أن المودعين هم الضحية الأساسية للأزمة بعد 6 سنوات من حجز أموالهم، مع تراجع القيمة الفعلية للودائع بفعل التضخم وانهيار سعر الصرف، إذ باتت قيمة 100 ألف دولار تعادل فعلياً نحو 69 ألفاً.

ولفت إلى أن الشهادات المالية المقترحة من فئات مختلفة تخضع لاقتطاعات مرتفعة تتراوح بين 65% و85%، موضحاً أن مساهمة مصرف لبنان في الخطة تفوق مساهمة المصارف، سواء في السداد النقدي أو الشهادات، ما يعني عملياً أن الدولة تتحمل الجزء الأكبر من الكلفة عبر مصرفها المركزي.

في المقابل، يرى المدافعون عن مشروع القانون أنه يوازن بين حقوق المودعين وقدرة الدولة المالية، ويأخذ في الاعتبار استدامة الدين العام وعدم تحميل الخزينة أعباء إضافية.

وفي هذا الإطار، اعتبر مستشار وزير المال سمير حمود أن إرضاء أكبر عدد ممكن من أصحاب الحسابات يشكل هدفاً أساسياً لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، مشيراً إلى أن 85% من الحسابات المصرفية تعود لمودعين تتراوح ودائعهم بين 28 و30 ألف دولار.

وأكد أن القانون أُعد ضمن معطيات وقيود واضحة، أبرزها الحفاظ على استدامة الدين العام، نافياً أن يكون غير قائم على أرقام، موضحاً أن الأرقام النهائية تحدد بعد وضع الإطار القانوني اللازم.

مجلس النواب قد لا يمرر القانون

سياسياً، يواجه مشروع القانون مساراً تشريعياً معقداً داخل مجلس النواب، حيث أعلن عدد من النواب رفضهم له، لا سيما مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي. وتكتسب النقاشات داخل اللجان النيابية أهمية استثنائية، في ظل السعي إلى المواءمة بين خطة التعافي الحكومية وحماية الملكية الخاصة وضمان هوية النظام الاقتصادي الحر.

في هذا الإطار، اعتبر رئيس لجنة الاقتصاد الوطني والتجارة والصناعة والتخطيط النيابية فريد البستاني أن مشروع القانون المطروح لا يمكن وصفه بـ”أفضل الممكن”، إذ أنه يفتقر إلى الأرقام الدقيقة ويُبنى قبل إجراء أي تدقيق شامل في حسابات مصرف لبنان والمصارف والدولة. وشدد على أن غياب خطة اقتصادية متكاملة للنمو يفرغ القانون من مضمونه، ويقوض أي محاولة لإعادة الثقة.

اقرأ أيضاً: إنفوغراف: فجوة واسعة في الاعتماد على “الكاش” بين الدول العربية

كما أكد أن المجلس النيابي لن يمرر المشروع بصيغته الحالية، داعياً إلى نقاش علمي موسّع يشارك فيه ممثلو المودعين وخبراء اقتصاديون، مشدداً على ضرورة تحديد المسؤوليات بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف قبل أي توزيع للخسائر أو إصدار سندات طويلة الأجل تمس حقوق المودعين.

صمود المصارف أمام الأعباء

يراقب القطاع المصرفي تطورات هذا القانون بقلق، في ظل تساؤلات حول توزيع المسؤوليات وقدرة المصارف على الاستمرار. واعتبر رائد خوري، رئيس مجلس إدارة أحد المصارف ووزير الاقتصاد السابق، أن الدولة اللبنانية هي المستفيد الأكبر من الأزمة، بعدما تراجعت ديونها من أكثر من 100 مليار دولار إلى ما دون 10 مليارات، داعياً إلى توزيع واضح للمسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف بما يضمن استعادة المودعين لحقوقهم كاملة.

وأشار إلى أن القانون يفرض عملياً على المصارف تأمين نحو 8 مليارات دولار للمودعين الصغار، في حين لا تتجاوز سيولة المصارف المتاحة 3 إلى 5 مليارات دولار. ولفت إلى غموض القانون في ما يخص مصدر هذه الأموال، خصوصاً دور الاحتياطي الإلزامي لدى مصرف لبنان، محذراً من أن غموض الأرقام، لا سيما في ما يتعلق بالاحتياطي الإلزامي ومصادر تمويل خطة السداد، أبقى القطاع المصرفي والمودعين في حال ضياع، وجعل من الصعب تحديد عدد المصارف القادرة على الاستمرار في حال إقرار القانون بصيغته الحالية.

الإطار القانون لـ”الفجوة المالية”

يمتد الجدل إلى البعد القانوني للأزمة، بين من يصف العجز القائم بـ”فجوة خسائر” تبرر توزيعها، ومن يعتبره ديوناً سيادية صريحة بذمة الدولة ومصرفها المركزي. في هذا الصدد، اعتبر منير راشد، الخبير الاقتصادي السابق في صندوق النقد الدولي، أن مقاربة الحكومة لمعالجة الأزمة لا تشكّل حلاً فعلياً، مشدداً على أن الودائع تمثل ديناً صريحاً بذمة مصرف لبنان والدولة. ورأى أن شطب الودائع أو ردّها الجزئي يتعارض مع القوانين التي تحمي الملكية الخاصة، داعياً إلى ضخ سيولة عادلة بنسبة موحدة للمودعين بدل إجراءات وصفها بالانتقائية.

دولياً، بات مشروع القانون بمثابة اختبار لجدية لبنان أمام المؤسسات المالية والمستثمرين الأجانب. وفي هذا السياق، اعتبرت علياء مبيض، كبيرة اقتصاديي الشرق الأوسط لدي “جيفريز”، أن مشروع القانون، بصيغته الحالية، لا يشكل عامل جذب للمستثمر الأجنبي، لافتة إلى أنه يأتي معزولاً عن إطار اقتصادي كلي واضح. وأكدت أن الأسواق والمؤسسات الدولية تبحث عن سياسات اقتصادية ومالية متكاملة تضمن استدامة الدين وتؤمّن مصادر مستدامة للدولارات، لا عن آلية محاسبية لتوزيع الخسائر فقط.

أما المستشار المالي والمدير التنفيذي لدى “كونفيدانس أدفايزوري” ميشال قزح فرأى أن مشروع القانون لا يشكل أساساً للتفاوض مع حاملي اليوروبوندز، مشدداً على أن أي حل يتطلب إصلاحات شاملة، وتدقيقاً ومحاسبة، ودوراً مباشراً لصندوق النقد الدولي.

من جهته، اعتبر خبير المخاطر المصرفية محمد إبراهيم فحيلي أن مشروع القانون يتضمن وعداً بسداد الودائع، لكن في ظل غياب الموارد والإيرادات لدى الدولة، لا توجد ضمانة لتنفيذ هذا الوعد. ورأى أن الحديث لا يجب أن يكون عن “رد الودائع”، لأن مكان هذه الودائع الطبيعي هو النظام المصرفي الذي يحتاج للسيولة، لكن المشكلة تكمن بغياب الثقة.

في المحصلة، يبقى قانون الفجوة المالية خطوة أولى على طريق طويل، تتداخل فيه الحسابات المالية مع الاعتبارات السياسية والاجتماعية، في انتظار ما ستسفر عنه النقاشات النيابية المرتقبة.

أخبار لبنانأصولا لبنانيةلبنان
Comments (0)
Add Comment