وقّعت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية اتفاقاً شاملاً لوقف إطلاق النار وإعادة دمج مؤسسات الدولة في مناطق شمال وشرق سوريا، ما يمثل مؤشراً على بداية تسوية سياسية داخلية واسعة النطاق.
تسوية سورية لإدماج “قسد” وإعادة الأصول الاقتصادية والمعابر إلى الدولة
الاتفاق الذي حمل توقيع كل من رئيس الجمهورية أحمد الشرع، وقائد “قسد” مظلوم عبدي، ينص على “وقف إطلاق نار شامل وفوري” في جميع الجبهات، مع انسحاب تشكيلات “قسد” من مناطق شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار العسكري السوري.
يقضي الاتفاق باستعادة الحكومة السيطرة الكاملة على حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية، ودمج المؤسسات المالية والخدمية ضمن أجهزة الدولة، في تسوية شاملة تعيد توحيد الموارد السيادية وتفتح الباب أمام إعادة هيكلة الإنفاق العام وتنظيم العائدات النفطية.
ترحيب دولي
رحبت العديد من الدول بالاتفاق، معتبرة أنه سيساهم في تحقيق الاستقرار على الأراضي السورية، وترسيخ وحدة وسلامة أراضيها.
ولفتت وزارة الخارجية السعودية في بيان إلى أن المملكة ترحب باتفاق وقف إطلاق النار واندماج “قوات سوريا الديمقراطية” بكامل مؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن الدولة السورية، مشيدة بالجهود التي قامت بها الولايات المتحدة في التوصل إلى هذا الاتفاق.
البيان لفت إلى أن المملكة تأمل في أن “يسهم الاتفاق في تعزيز الأمن والاستقرار وبناء مؤسسات الدولة، وتطبيق القانون”، مضيفاً أن المملكة “تجدد دعمها الكامل للجهود التي تبذلها الحكومة السورية في تعزيز السلم الأهلي والحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها”.
جاء هذا البيان بعد ساعات من اتصال الرئيس السوري أحمد الشرع بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حيث جرى خلال الاتصال “استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين وفرص تعزيزها في مختلف المجالات، كما جرى بحث مستجدات الأحداث الإقليمية وعدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك”، وفق وكالة الأنباء السعودية.
من جهته، عبر المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك عن إشادة الولايات المتحدة بجهود الحكومة سورية وقوات “قسد” التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار، قائلا إنه “يمهد الطريق أمام استئناف الحوار والتعاون نحو تحقيق هدف توحيد سوريا”.
وقال باراك في منشور على “إكس” إن الاتفاق يشكل “نقطة تحول مفصلية، إذ يختار خصوم الأمس الشراكة بدلاً من الانقسام”، مشيراً إلى تطلع بلاده إلى “اندماج سلس لشريكنا التاريخي في محاربة تنظيم داعش مع أحدث أعضاء التحالف الدولي، بينما نواصل التقدم في المعركة المستمرة ضد الإرهاب”.
وأضاف: “تعبر الولايات المتحدة عن تشجيعها الخاص لهذا الزخم المتواصل في مواجهة تهديدات داعش، لما يتيحه من إدماج كامل لشركائنا الأكراد على المدى الطويل ضمن سوريا موحدة وشاملة”.
كما أصدرت عمّان والدوحة وأنقرة أيضاً بيانات أكدت على ترحيبها بالاتفاق، واعتبرته “خطوة مهمة نحو تعزيز وحدة سوريا واستقرارها وأمنها”.
تسليم محافظتي دير الزور والرقة
ينص الاتفاق أيضاً على “تسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية بشكل كامل”، بما يشمل استلام المؤسسات والمنشآت كافة، وتثبيت الموظفين المحليين ضمن الكادر الحكومي، مع الالتزام بـعدم التعرض لهم ومحاسبة أي مخالفات.
كما ستتولى الحكومة السورية، بحسب نص الاتفاق، مسؤولية استلام المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز وضمان حماية موارد الدولة ومراقبة الحدود من قبل القوات النظامية.
أهمية منطقة الجزيرة السورية
عند الحديث عن منطقة الجزيرة السورية، يشار إلى رقعة جغرافية في شمال شرق سوريا تزيد مساحتها عن 50 ألف كليومتراً تمتد على ثلاث محافظات: الحسكة ودير الزور والرقة.
تضم هذه المنطقة الجزء الأكبر من ثروات البلاد، وكانت تمثّل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، قبل أن يتراجع الإنتاج بشكل حاد في السنوات الماضية، نتيجة رفض “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) تمكين الحكومة من الوصول إلى هذه المناطق وتشغيل منشآتها النفطية والخدمية، ما أفقد خزينة الدولة 20 مليار دولار في العام الماضي وحده، وفق الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة مؤخراً.
الشرع أشار إلى أن بلاده كانت تنتج سابقاً ما بين 400 إلى 600 ألف برميل نفط يومياً، قبل أن ينهار الإنتاج إلى عشرات آلاف. لكنه أكد أن قدرات الإنتاج كان من الممكن أن تصل إلى مليون برميل يومياً إذا توفرت المعدات الحديثة وأجريت أعمال الصيانة الضرورية لخطوط الإنتاج.
ولفت إلى أن هذا التطوير كان ممكناً خلال العام الماضي عبر استثمارات من شركات أوروبية، وأميركية، وإقليمية كبرى لو استجابت “قسد”. ووفق تقديراته، فإن إنتاج مليون برميل يومياً كان سيُدرّ على خزينة الدولة إيرادات لا تقل عن 20 مليار دولار سنوياً.
وأضاف أن سوريا كانت تنتج قرابة 4 ملايين طن من القمح سنوياً، في حين أن حاجتها الفعلية لا تتجاوز مليوني طن، ما كان يوفّر فائضاً كبيراً للتصدير. إلا أن الظروف الحالية دفعت البلاد إلى استيراد القمح، رغم أن أكثر من ثلثي الإنتاج الزراعي كان يأتي من مناطق الشمال الشرقي. كما أشار إلى أن سوريا كانت تنتج مليون طن من القطن سنوياً، بعائد سنوي يناهز 700 مليون دولار.
وفي ما يخص إنتاج الكهرباء، أكد أن السدود على نهر الفرات توفّر نحو 1500 ميغاواط من الكهرباء، معتبراً أن هذه الطاقة تُعد شبه مجانية، إذ لا تحتاج سوى لتكاليف تشغيل وصيانة تقدر بنحو مليار دولار سنوياً، من دون الحاجة إلى وقود أو استيراد خارجي.
دير الزور: حاضنة أكبر حقول النفط الغاز
اقتصادياً، تشكل دير الزور العمود الفقري لقطاع الطاقة السوري. فهي تضم أكبر حقول النفط والغاز في البلاد، وعلى رأسها حقل العمر النفطي وحقل كونيكو للغاز، اللذان كانا قبل عام 2011 يشكلان معاً الجزء الأكبر من الإنتاج الوطني. السيطرة على هذه الموارد لا تعني فقط استعادة إيرادات مفقودة، بل تفتح الباب أمام إعادة بناء المالية العامة، وتخفيف الضغط على العملة، وتقليص فاتورة استيراد الطاقة، وإعادة تمكين الدولة من تمويل الكهرباء والدعم والخدمات الأساسية من مواردها الذاتية. عودة هذه التدفقات إلى القنوات الرسمية تمنح السياسة النقدية أدوات أوسع لإدارة السيولة، وتعيد وصل ما انقطع بين الإنتاج الحقيقي والاستقرار المالي، وفق حاكم مصرف سورية المركزي عبدالقادر الحصرية.
الرقة: الغذاء والماء والكهرباء
أما الرقة، فتمثل بعداً مكملاً لا يقل أهمية. فهي ليست محافظة نفطية بالمعنى الضيق، لكنها تشكل ركناً أساسياً في منظومة الأمن الغذائي والطاقة الكهربائية. موقعها على نهر الفرات واحتضانها لسد الفرات يجعلها عنصراً حاسماً في إنتاج الكهرباء والري، وبالتالي في استقرار الزراعة في مساحات واسعة من البلاد. استعادة الرقة تعني إعادة تشغيل حلقة مترابطة تبدأ بالطاقة وتنتهي بالغذاء، في بلد أنهكته اختناقات الكهرباء وتراجع الإنتاج الزراعي.
ويعد سد الفرات من أهم منشآت المياه والطاقة في البلاد؛ إذ يضم في داخله محطة كهرومائية تقع على الطرف الأيمن من السد، وتضم المحطة ثماني مجموعات توليد تبلغ استطاعتها الإجمالية 880 ميغاواط، بحسب وزارة الطاقة السور ية.
تشكل الرقة ودير الزور قلب منطقة شرق الفرات، التي كانت خلال السنوات الماضية مسرحاً لتداخل نفوذ محلي وإقليمي ودولي، ومثالاً على اقتصاد موازٍ خارج سلطة الدولة. عودة السيطرة المركزية عليهما تعني عملياً إنهاء حالة ازدواجية الموارد والقرار، واستعادة الدولة لوحدتها الاقتصادية، وليس فقط الجغرافية. كما أن موقع دير الزور الحدودي مع العراق يمنحها وزناً إضافياً بوصفها عقدة ربط برية للتجارة والطاقة، ونقطة تماس مباشرة مع توازنات إقليمية أوسع، ما يجعل ضبط الحدود والمعابر فيها مسألة سيادة واقتصاد في آن واحد.
الحسكة: عقدة الموارد والسياسة
تُكمل محافظة الحسكة معادلة الرقة ودير الزور، لكنها تضيف إليها بعداً مختلفاً وأكثر تعقيداً، يجعلها واحدة من أكثر المحافظات حساسية في الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية السورية. فالحسكة ليست مجرد خزان موارد، بل مساحة تداخل نادر بين النفط والزراعة والمياه والحدود والسياسة الدولية، ما يمنحها وزناً يفوق حجمها السكاني أو الإداري.
اقتصادياً، تعد المحافظة أحد أعمدة الإنتاج النفطي في سوريا، إذ تضم الحسكة حقولاً نفطية بارزة مثل مثل السويدية (باحتياطي يزيد عن 300 مليون برميل) وكراتشوك والرميلان، التي شكلت لعقود جزءاً أساسياً من صادرات النفط الخام قبل عام 2011. ورغم أن طاقتها الإنتاجية أقل من بعض حقول دير الزور، فإن أهميتها تكمن في موقعها على خطوط النقل الأساسية، حيث تمر عبرها البنية التحتية التي تربط حقول الشمال الشرقي بمصافٍ داخل البلاد في حمص وبانياس، ما يجعلها حلقة لا غنى عنها في أي منظومة طاقة وطنية متكاملة. استعادة هذه الحلقة تعني عملياً استعادة القدرة على التحكم في سلاسل الإمداد النفطية، لا مجرد استخراج الخام.
وبحسب خبير الطاقة رياض النزال، بلغ إنتاج النفط في الحسكة ذروته قبل 2011 عند 180 ألف برميل يومياً قبل أن يتعطل ويستقر حول 85 ألف برميل يومياً في 2020.
إلى جانب النفط، تمثل الحسكة القلب الزراعي لسوريا. فهي تاريخياً أكبر منتج للقمح، وكانت تُعرف بسلة خبز البلاد. هذا الدور لم يكن زراعياً فقط، بل مالياً ونقدياً أيضاً، إذ شكل القمح المحلي أحد ركائز دعم الأمن الغذائي وتخفيف الضغط على احتياطات النقد الأجنبي. عودة الدولة إلى إدارة هذا القطاع في الحسكة تعني تقليص الاعتماد على الاستيراد، وضبط سوق الحبوب، وربط الدعم الزراعي بسياسات إنتاج حقيقية، بدلاً من اقتصاد الطوارئ الذي ساد خلال سنوات النزاع.
لكن ما يمنح الحسكة ثقلها الحقيقي هو بعدها الجيوسياسي. فهي تقع على تماس مباشر مع تركيا والعراق، وتضم شبكة معابر رسمية وغير رسمية، ما جعلها خلال السنوات الماضية عقدة عبور للتجارة، والطاقة، وحتى التحويلات غير النظامية. هذا الموقع حوّلها إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي، ليس فقط بسبب مواردها، بل لأنها تتحكم بجزء من شرايين الاتصال بين سوريا ومحيطها الشرقي والشمالي. ضبط هذه الجغرافيا يعني استعادة الدولة لقدرتها على إدارة حدودها الاقتصادية، وليس فقط الأمنية.
كما أن الحسكة شكلت نموذجاً واضحاً للاقتصاد المنفصل خلال مرحلة سيطرة “قسد”، حيث أُديرت الموارد النفطية والزراعية خارج الإطار المركزي، ما خلق تشوهات عميقة في توزيع الدخل والإنفاق، وأضعف قدرة الدولة على التخطيط المالي. إعادة دمج الحسكة ضمن المنظومة الوطنية تعني إنهاء هذا الانقسام، وتوحيد الموارد السيادية من النفط والقمح والمياه، ضمن ميزانية واحدة وسياسة واحدة.