تحوّل الذهب في مصر من زينة تُقتنى ورمزٍ “للفرح” إلى معضلة مالية تقضّ مضجع الشباب المقبلين على الزواج، بعدما تصاعدت أسعاره بوتيرة متسارعة جعلت اقتناءه أشبه بقرار مصيري.
سوق “شبكة” الذهب في مصر تعيد تشكيل نفسها لتلبية المقبلين على الزواج
فأمام واجهات محال الصاغة، يتكرّر المشهد: وجوه شابة يكسوها التردد، وعيون معلقة بشاشات أسعار لا تكفّ عن القفز، في انعكاس مباشر لاضطراب السوق. خلال الأسابيع الأخيرة، بات المعدن الأصفر يشكل عبئاً ثقيلاً، لاسيما مع ارتفاع تكاليف “الشبكة” التي يُفترض أن تمثل رمزاً لبداية الحياة الزوجية.
ومع كل قفزة سعرية جديدة، يعود السؤال ذاته ليطغى على النقاشات: “هل يمكن أن تنخفض أسعار ؟”.. ليأتي الجواب موحداً في الغالب: “اللي سعره طلع.. ما بينزلش”.
بين حلم تأسيس حياة مستقرة وتكاليف تبدأ من خاتم ذهبي، يجد آلاف الشباب أنفسهم عالقين بين تقلبات الأرقام وضغوط الواقع الاقتصادي.
جمود حركة البيع
سجّل الذهب ارتفاعات حادة على الصعيدين العالمي والمحلي خلال الأسابيع الأخيرة، وسط تقلبات عنيفة عززت حالة الترقب في الأسواق.
فعالمياً، قفز سعر الأونصة بأكثر من 20% منذ مطلع يناير ليبلغ ذروته عند 5500 دولار، قبل أن يتراجع في نهاية الشهر إلى مستوى 4964 دولاراً، ما يعكس موجة تذبذب قوية في الأسواق العالمية.
محلياً، شهد سعر غرام عيار 21 -وهو الأكثر تداولاً في مصر- ارتفاعاً حاداً خلال يناير، بلغ نحو 27%، أي ما يعادل 1600 جنيه، ليصل إلى 7500 جنيه (ما يعادل 160.5 دولار). قبل أن يتراجع مجدداً نهاية الأسبوع الماضي إلى نحو 6660 جنيهاً.
هذا التذبذب السعري السريع تسبّب في تجميد حركة البيع في سوق الذهب المصرية، وسط حالة من الترقب والقلق لدى المستهلكين.
التكيف مع قدرات الزبائن
يرى سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة “آي صاغة” لتجارة ، أن ما يحدث في سوق “الشبكة” ليس تغييراً ثقافياً بقدر ما هو تكيف اقتصادي مع الواقع الجديد. وأوضح في تصريحات لـ”الشرق” أن “الشبكة” كانت تشمل في السابق خاتماً ومحبساً و”دبلة”، إلى جانب “انسيال” و”كوليه”، وقد يصل وزنها إلى أكثر من 100 غرام، وثمنها نحو 700 ألف جنيه، وهو رقم بات خارج قدرات الغالبية من الشباب المقبلين على الزواج.
إمبابي أضاف أن التجار استجابوا لهذه المستجدات عبر تصميم أطقم “شبكة” خفيفة جداً، تقتصر على “دبلة” و”محبس” وخاتم لا يتجاوز مجموع أوزانها 3 غرامات، بأسعار تبدأ من نحو 20 ألف جنيه، مع تزايد الاعتماد على عيار 18 بدلاً من عيار 21. كما تم تقليص أوزان “الأنسيالات”، و”الغوايش”، و”الكوليهات” إلى نحو غرامين فقط، بدلاً من 20 غراماً في السابق، لتتراوح تكلفة طقم “الشبكة” الكامل حالياً بين 20 إلى 50 ألف جنيه.
في أحد محال الصاغة بشارع المأمون في الجيزة، يعبّر عبد الرحمن محمد -الشاب الثلاثيني- عن إحباطه من تقلب الأسعار. وبينما يتابع شاشة عرض الأسعار المتغيرة، طلب من خطيبته الإسراع في اختيار القطع، خشية مزيد من الارتفاعات. وقال لـ”الشرق”: “ندمت لأني أخّرت شراء الشبكة، السعر زاد حوالي 2000 جنيه للغرام في شهرين”. هذا الارتفاع دفعه لتعديل الاتفاق مع عائلة العروس، والاكتفاء بشراء 6 غرامات فقط بدلاً من 10، مع الاستغناء عن “المحبس”، بعدما لم تعد إمكانياته تسمح بالالتزام بالتكلفة السابقة.
في ظل هذه الضغوط، يبدو أن سوق الذهب المصرية تعيد تشكيل نفسها بما يتلاءم مع القدرة الشرائية المتآكلة، في محاولة للموازنة بين التقاليد الاجتماعية والواقع الاقتصادي.
لا تغيير في الاتجاه العام
يوضح ناجي فرج، الخبير بأسواق الذهب والمجوهرات في مصر، أن أسعار الذهب سجلت تراجعات ملحوظة بعد موجة ارتفاعات قوية خلال الأيام الماضية، نتيجة عمليات جني أرباح طبيعية عقب صعود سريع وغير مسبوق.
لكنه اعتبر أن هذه التراجعات لا تعني تغير الاتجاه العام، بل تمثل استراحة مؤقتة للأسعار، حيث إن العوامل الأساسية الداعمة لارتفاع الذهب ما زالت قائمة، وعلى رأسها التوترات الجيوسياسية العالمية، واستمرار الحروب والأزمات الدولية، إلى جانب حالة عدم اليقين المرتبطة بالاقتصاد العالمي والسياسات التجارية الأميركية.
ونوّه بأن التراجعات الحالية تمثل فرصة جيدة للشراء، باعتبارها نقطة انطلاق جديدة للأسعار على المدى المتوسط والطويل، لافتاً إلى أن التوقعات طويلة الأجل لأسعار الذهب لا تزال إيجابية، خاصة مع ترقب تغييرات محتملة في أسعار الفائدة الأميركية خلال الفترات المقبلة، مشيراً إلى أن وصول الأونصة إلى مستوى 6000 دولار لم يعد سيناريو بعيداً.
على صعيد السوق المحلية، أوضح أن الطلب على السبائك والجنيهات الذهبية يشهد ضغطاً قوياً، في حين تظل حركة بيع وشراء المشغولات الذهبية متوسطة إلى ضعيفة، خاصة في مناسبات الزواج.
ورغم تراجع مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 2% إلى 23.6 طن خلال العام الماضي، إلا أنها ارتفعت في الربع الرابع 2025 بنسبة 27% على أساس سنوي، مسجلة 7.4 طن، وفق أحدث بيانات تقرير لمجلس الذهب العالمي، والتي أشارت إلى أن مشتريات المصريين من الذهب انخفضت 10% خلال 2025، إلى 45.1 طن، بسبب تراجع مشتريات المشغولات الذهبية بنحو 18% إلى 21.5 طن.
صناديق الاستثمار في الذهب
لم يعد الإقبال على الذهب مقتصراً على محال الصاغة كما كان تقليدياً، إذ جذبت صناديق الاستثمار في المعدن الأصفر شريحة متزايدة من المستهلكين الباحثين عن بدائل أقل كلفة وأكثر مرونة.
في هذا السياق، قال أحمد أبو السعد، الرئيس التنفيذي لشركة “أزيموت مصر” لـ”الشرق”، إن الإقبال على الاستثمار في صندوق الذهب “أزيموت” شهد نمواً أسبوعياً يتراوح من 5% إلى 7%، خلال يناير 2026، وإن إجمالي قيمة طلبات الاستثمار لدى الشركة في نفس الشهر تجاوزت الـ500 مليون جنيه حتى الآن.
أبو السعد أضاف أن الهدف الرئيسي منذ إطلاق الصندوق، كان إتاحة الاستثمار في الذهب بطريقة سهلة وبسيطة ومنضبطة، باعتباره أداةً آمنة لحفظ القيمة، دون السعي لتحقيق مكاسب سريعة أو المراهنة على تقلبات الأسعار، كما أن الارتفاعات الكبيرة في أسعار الذهب لم تكن ضمن التوقعات عند التأسيس، وإنما جاءت كنتيجة للظروف الاقتصادية العالمية والمحلية، ما ساهم في زيادة الإقبال على الصندوق كوسيلة استثمارية آمنة.
وأفصح أن حجم الصندوق شهد نمواً ملحوظاً، حيث ارتفع من نحو 900 مليون جنيه بنهاية 2024، إلى ما يقارب 4 مليارات جنيه حالياً، مع تضاعف حجم التعاملات عليه.
عروض محدودة
تسببت القفزات السعرية الأخيرة في لجوء محال الصاغة إلى تقديم عروض محدودة، من بينها تخفيض “المصنعية” على بيع المشغولات الذهبية، في محاولة لتحفيز الأفراد على الشراء، بحسب نادي نجيب، السكرتير السابق لشعبة الذهب وأحد تجار الذهب في منطقة شرق القاهرة.
نجيب أوضح في حديثه لـ”الشرق” أن مبيعات المشغولات الذهبية تشهد شبه حالة ركود نتيجة الصعود الكبير للمعدن النفيس، لافتاً إلى أن بعض محلات الصاغة تبيع الذهب المستعمل بسعر أقل من سعر السوق بغرض زيادة المبيعات والتسهيل على الشباب المقبلين على الزواج.
في ظل هذا الواقع الضاغط، لم يعد تقليص حجم طقم “الشبكة” استثناءً، بل أصبح خياراً إجبارياً لكثير من الشباب، وهو ما تجسده تجربة سامح مصطفى -الشاب الثلاثيني- الذي قرر الاكتفاء بشراء “الدبلة” فقط، بعدما تجاوز متوسط سعرها 30 ألف جنيه حالياً.
الإقبال على سبائك الذهب
في توجهٍ معاكس، سجلت مشتريات السبائك بغرض الاستثمار ارتفاعاً ملحوظاً، إذ أشار أمير رزق، عضو شعبة الذهب، إلى زيادة تقارب 60% خلال يناير الجاري مقارنة بنفس الشهر من 2025، تزامناً مع صعود سعر المعدن النفيس إلى مستوى قياسي.
وأضاف أن العروض على أسعار الذهب غير مجزية، وتكون بغرض جذب المشترين فقط، نظراً للارتفاعات المتتالية لسعر المعدن بزيادة تقارب 1200 جنيه خلال أقل من شهر. متوقعاً ارتفاع سعر المعدن النفيس عالمياً حال حدوث أي أزمات جيوسياسية في العالم.
في منطقة شبرا الخيمة بالقاهرة الكبرى، قال شاب مصري في نهاية العشرينات من عمره، طلب عدم ذكر اسمه، إنه اتفق مع أهل عروسه على شراء “دبلة” فقط عيار 18، واستعارة مجوهرات أخته الكبرى في ليلة الزفاف، “للسترة” أمام جمهور الحضور من المدعوين، كاشفاً أنه حصل على تلك الفكرة من تجارب سابقة لأغلب أصدقائه.
في النهاية، لم يعد الذهب مجرد زينة، بل أصبح اختباراً لقدرة الشباب على مواجهة تضخم الأسعار وأعباء الحياة. بين تقليص أطقم “الشبكة”، وابتكار حلول للاستعارة، أو التوجه للاستثمار في السبائك، يظهر الذهب كعامل حاسم في قرارات الشباب المقبل على الزواج التي لم تعد تتحمل التأجيل وسط تقلبات السوقين العالمية والمحلية.