العبرة ..بإدارة الأزمات

العبرة ..بإدارة الأزمات

بقلم
د يسري الشرقاوي
مستشار الاستثمار الدولي
ورئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة 

مما لاشك فيه أن الحياة تسير والكواكب تتحرك والملكوت يتعايش، لكن لا تخلو الحياة أو الدنيا من الأزمات ، سواء كانت هذه الأزمات اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو جيوسياسية أو كانت على مستوى محلي أو دولي أو إقليمي ، أو كانت الأزمة فى حياة فرد أو جماعة أو شركة أو مجتمع أو دولة أو أزمات متعددة الأطراف ،، وقد تكون هذه الأزمات ايضاً من النوع البسيط أو المتوسط أو المعقد أو المركب ،، وقد شاهدنا الكثير والكثير من هذه الأزمات منها جائحة كورونا – أزمة روسيا وأوكرانيا – أزمة تهجير أهل غزة – أزمات دول مثل لبنان ، العراق ، فلسطين ، ليبيا ، اليمن ، سوريا ، السودان ، وأخيراً أزمات ستواجه الأشقاء فى دول الخليج جراء الأحداث الاخيرة والمتواترة والحادة وغير المسبوقة والتي جاءت مسببة بشكل غير مباشر منحصر فى وجود قواعد أمريكية على أراضيهم مما اقحمهم فى أزمة لا ناقة لهم فيها ولا جمل وهذا أيضا وارد فى عالم الأزمات والتحديات.

قد نواجه ونرى ونتابع أيضاً كل عشية ومساء أزمة مصطنعة أو حقيقية على صفحات السوشيال ميديا لرجل الأعمال هذا أو الفنان ذاك أو السياسي المحنك فلان ، أو الرجل المتعامل مع النظام المصرفي الائتماني أو ذاك غير المتعامل ، إنه أيضا عالم آخر من الأزمات التي يمكن أن تجد نفسك فيه وفى منتصف الدائرة وأنت لست صاحب الناقة ولا الجمل لك،

هناك إعلام رقمي يسوق الموجة وراء الموجة قيادة القطيع فى شوارع الجهل والفراغ الفكري الشاسع .

مما سبق نتأكد ونثق ونتفق أن الأزمة واردة جدا وأن هذه هي عجلة الحياة الدنيا تدور بنا وتتنقل بين محطات وبين يومُ حلو وآخر مر ، لكن الأفراد والشعوب والتجمعات الأكثر استعدادا وقدرة على مواجهة تلك الأزمات والتحديات بشكل قوي ولديها قدرة الامتصاص والصمود والتحول الذكي هم هؤلاء الأفراد أو تلك التجمعات القادرة على المواجهة والقفز من مربع السالب إلى مربع الموجب وهنا أود أن أشير إلى أن هذا لا يتأتى صدفة أو دون بناء أو تكوين صلب وصلد ، وهنا يجب أن نشير صراحة إلى أن الأزمة ذاتها ليست هى القضية أو المحور و إنما المحور هو كيفية إدارة الأزمات بشكل عملي وعلمي وتطبيقي وثقافي وجماعى وهذا ما نفتقده، وهناك جانب ومساحة شاسعة لدينا ما بين التنظير والتطبيق ، عشرات الدورات المتخصصة والخاصة فى برامج إدارة الأزمات هنا وهناك ، وكأنه مصطلحاً شهيراً مثل عدد من المصطلحات التي ترد إلى عالمنا لتأخذ الصدى والترند اياماً معدودات ثم تذهب ادارج الرياح، ويرجع هذا إلى أن تجذر ثقافة إدارة الأزمات ، وعدم وضوح هذه العلوم فى مناهجنا الدراسية وفى برامجنا الإعلامية وتخلق داخل مجتمعاتنا شخصيات غير قادرة على فهم وتطبيق إدارة الأزمات مما ينتج عنها بنيان مجتمعي هش ، فينتج فيه ظاهرة الفرد صاحب أزمة واحدة بسيطة لا يستطيع إدارتها فتتحول ذات الأزمة وفى نفس اللحظة إلى عدد من الأزمات المركبة ، فالمواطن عندما تكون لديه أزمة ودخل فى نزاع قضائي يذهب إلى أحد المحاماة وبعد مرور أيام بسيطة يفتعل أزمة مع المحامي فتصبح الأزمة ازمتين وهكذا ، رجل أعمال لديه تسويات مع البنوك وتحاك ضده أو له أخبار سوشيالية تسبب أزمة فيدخل على الخط فريقه ومتابعيه ومنتفعيه فتزداد الأزمة عدة أزمات ، لكن لو استطاع إدارة الأزمة بالاستعانة بجهة محايدة ليست ذات مصلحة وأوضح جوانب الأزمة لانتهت وأغلقت تماما فى وقت اقصر ،، العبرة ليست في الأزمة لكن دوما العبرة في مواجهة وإدارة الأزمة بشكل علمي وإداري واحترافي

خلاصة القول، إن الأزمات جزء أصيل من حركة الحياة لا يمكن إنكاره أو تجنبه، لكن الفارق الحقيقي يكمن في قدرتنا على إدارتها بعقلانية ومهنية وتجرد. فالأزمة لا تهزم الأمم والمجتمعات والأفراد بذاتها، وإنما تهزمهم العشوائية والإنفعال وغياب المنهج العلمي في التعامل معها. لذا، تبقى إدارة الأزمات ثقافة يجب أن تُغرس في مناهجنا وتعليمنا وإعلامنا، ومهارة يجب أن يتقنها الفرد قبل المؤسسة، لأنها طوق النجاة الذي يحول التهديد إلى فرصة، والخسارة إلى درس، والانهيار إلى انطلاقة جديدة نحو الإستقرار والبناء.

يسري الشرقاوي
Comments (0)
Add Comment