“*الاقتصاد الأسود*”

الاقتصاد الأسود

بقلم
د يسري الشرقاوي
مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادية
رئيس جمعية رجال الاعمال المصريين الافارقة

 

*تأثير اقتصاديات “البلطجة ” والخروج علي القانون والسلوك الإجرامي كجزء من مكونات الاقتصاد الاسود على الاقتصاد الكلي

..تعالوا نناقش بُعدًا آخر في القضية المثارة على الساحة، ونتعرف بعمق على التأثير المتعدد لهذا النوع من الأنشطة ، البلطجة وعمل العصابات و ماخفي كان اعظم لكن بجانب البعد الامني هناك ابعاد اخري .
ففي ظل العولمة والتكامل الاقتصادي، يمثل الاقتصاد الأسود أحد أبرز التحديات أمام التنمية المستدامة، خاصة في دول العالم الثالث.

يشير الاقتصاد الأسود إلى مجموعة الأنشطة غير الشرعية التي تولد دخلاً كبيرًا خارج الإطار الرسمي. وتشمل أنواعًا متعددة مثل: تجارة المخدرات، الاتجار بالبشر، غسيل الأموال، الدعارة، البلطجة واستعراض القوة، الفساد، التعدي على الممتلكات، جرائم الأمن العام، تجارة الآثار، تجارة العملة في السوق السوداء، والاتجار في العناصر النادرة.

وفقًا لتقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، يُقدَّر حجم الجريمة المنظمة العابرة للحدود بنحو 870 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وقد تصل التقديرات الأحدث إلى تريليونات الدولارات.

وتتنوع أحجام هذه الأنشطة:
– تجارة المخدرات وحدها تبلغ حوالي 320-750 مليار دولار عالميًا.
– الاتجار بالبشر يصل إلى عشرات المليارات.
– غسيل الأموال يُقدَّر بنحو 1.6 تريليون دولار.
– تجارة الآثار عالميًا تُقدَّر بمليارات الدولارات، وفي مصر تشير التقديرات غير الرسمية إلى خسائر تصل إلى عدة مليارات سنويًا.
كما يسهم الاتجار في العملة والعناصر النادرة في تشويه سوق الصرف واستنزاف الموارد الطبيعية. وفي دول العالم الثالث، يتفاقم هذا الاقتصاد بفعل التحديات الاقتصادية والاجتماعية، مما يؤدي إلى تدفقات مالية غير مشروعة تفوق عشرات المليارات سنويًا في أفريقيا، وتحرم الدول من موارد التنمية الحيوية.

وفي مصر، يبرز الاقتصاد الأسود كظاهرة ملموسة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهذه الأنشطة، حيث يتشابك جزء كبير منه مع الاقتصاد غير الرسمي الذي يصل حجمه إلى 50-65% من الاقتصاد الكلي، ويشمل منشآت غير مسجلة توظف نسبة عالية من القوى العاملة.

يحقق المتورطون في هذه الأنشطة – خاصة البلطجة واستعراض القوة التي تفرض سيطرة على الأسواق المحلية وتكلف الاقتصاد خسائر جسيمة عبر الابتزاز والتعدي على الممتلكات، إضافة إلى تجارة الآثار التي تنهب التراث الوطني، وتجارة المخدرات، والتهريب، والفساد، وغسيل الأموال، والاتجار في العملة بالسوق السوداء الذي يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار الصرف، والاتجار في العناصر النادرة الذي يستنزف الموارد الاستراتيجية – ثراءً سريعًا غير رسمي، لكنه يأتي على حساب الاقتصاد الكلي.

وتؤدي هذه الأنشطة إلى تداعيات خطيرة:
1. خفض الحصيلة الضريبية: ساهمت في انخفاض نسبة الإيرادات الضريبية تاريخيًا إلى حوالي 12-15% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمستويات أعلى في الماضي، مما يضعف بنود الموازنة العامة المخصصة للتعليم والصحة والبنية التحتية، ويسبب خسائر اقتصادية تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا.
2. تفاقم البطالة: يوفر الاقتصاد غير الرسمي فرص عمل غير مستقرة وغير منتجة.
3. ارتفاع التضخم: بسبب تشوهات الأسواق وعدم السيطرة على التدفقات غير الرسمية، مما يؤثر سلبًا على استقرار الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.

وتكشف المقارنة الدولية الفارق الواضح:
– في دول أوروبا المتقدمة مثل ألمانيا والنمسا، يبلغ حجم اقتصاد الظل حوالي 6-15% من الناتج المحلي الإجمالي فقط، بفضل الشفافية العالية والإنفاذ القوي للقانون.
– في دول الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة، يصل إلى أدنى المستويات عالميًا، نحو 5-8% من الناتج المحلي، مدعومًا بإصلاحات اقتصادية وتنظيمية صارمة.
– في بعض دول آسيا مثل الهند ودول جنوب شرق آسيا، يتراوح بين 20-40%، لكنه أقل تأثيرًا نسبيًا بفضل نمو الاستثمارات الرسمية.
أما في مصر، فإن النسبة المرتفعة تُفاقم التشوهات الاقتصادية، وتعيق جذب الاستثمارات الأجنبية بسبب زيادة تكاليف الأمن والمخاطر الناتجة عن الجريمة المنظمة والبلطجة.

أما تكلفة مكافحة هذه الأنشطة فهي مرتفعة؛ إذ تستهلك جهود الأمن والعدالة موارد كبيرة من الميزانية. ويصل التأثير الاقتصادي العالمي للجريمة إلى نسب كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، وفي الدول النامية يؤثر سلبًا على ضبط الأسواق ومعدلات الربحية في الأنشطة الرسمية المسجلة، التي تتنافس مع أنشطة سوداء تتمتع بتكاليف أقل بسبب تجنب الضرائب واللوائح.

وللمواجهة، نُقترح الآتي بشكل تفصيلي:

أولًا: تعزيز الإطار التشريعي
سن قوانين أكثر صرامة لمكافحة غسيل الأموال والفساد وتجارة الآثار والاتجار في العملة والعناصر النادرة، مع تفعيل آليات الشفافية عبر الدفع الإلكتروني والتسجيل الإلزامي للأنشطة التجارية.

ثانيًا: برامج إدماج اقتصادي للقطاع غير الرسمي
تشمل حوافز ضريبية انتقالية، وتدريبات مهنية، وتسهيلات للمنشآت الصغيرة، بهدف خفض حجم الأنشطة السوداء إلى أقل من 20% خلال خمس سنوات.

ثالثًا: تعزيز التعاون الدولي
مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والاتحاد الأفريقي لمكافحة التهريب عبر الحدود والمخدرات وتجارة الآثار، خاصة في إطار اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية.

رابعًا: الاستثمار في التكنولوجيا
مثل الذكاء الاصطناعي لمراقبة التدفقات المالية وكشف عمليات غسيل الأموال والبلطجة والنهب الأثري وتجارة العملة.

خامسًا: حملات توعية مجتمعية
تربط بين التنمية والقيم الأخلاقية، مع برامج توظيف الشباب للحد من البطالة كآلية وقائية أساسية.

إن مواجهة الاقتصاد الأسود ليست مجرد إجراء أمني، بل استثمار استراتيجي في مستقبل الاقتصاد الوطني. بتكامل الجهود الحكومية والمجتمعية والدولية، يمكن تحويل هذا التحدي إلى فرصة لتعزيز الشفافية والنمو الشامل، مما يعزز مكانة مصر كمركز استثماري إقليمي جاذب.

جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقةيسري الشرقاوي
Comments (0)
Add Comment