*الرعاية تحتاج رعاية*

الرعاية تحتاج رعاية

بقلم د يسري الشرقاوي رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة ومستشار الاستثمار الدولي والتنمية الاقتصادية 

 

الرعاية الصحية مفهوم شامل يتجاوز مجرد علاج الأمراض، إذ يعني تقديم الخدمات الوقائية والعلاجية والتأهيلية بشكل منظم ومنصف للحفاظ على صحة السكان وتحسين جودة حياتهم. ويتم ذلك وفقاً للمعايير العالمية التي تشمل السلامة والفعالية والتركيز على المريض، على أن يتم كل ذلك بكفاءة وعدالة وفي التوقيت المناسب.

وهي المعايير التي حددتها منظمة الصحة العالمية (WHO) وتُقاس بمؤشرات موضوعية مثل: مؤشر تغطية الخدمات الصحية الشاملة (UHC Index)، ومعدلات وفيات الرضع والأمهات، ومتوسط العمر المتوقع، وكثافة الأطباء والتمريض، ونسبة الإنفاق الحكومي الفعال. وليس وفقاً للإحصاءات الرسمية وحدها.

في مصر، انتهجت الدولة منذ إصدار قانون التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018 نهجاً طموحاً يهدف إلى تحقيق التغطية الصحية الشاملة بحلول 2032. وقد بدأ التنفيذ التجريبي في بورسعيد عام 2019، ثم توسع تدريجياً، مع إنشاء ثلاث هيئات مستقلة: الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل للتمويل والشراء، والهيئة العامة للرعاية الصحية لتقديم الخدمات، وهيئة الاعتماد والرقابة الصحية. يغطي القانون حزمة خدمات واسعة، ويستهدف 120 مليون مواطن، مع دعم الفقراء من الموازنة العامة.

لكن التقييم الموضوعي وفق المعايير العالمية يكشف قصوراً واضحاً. مقارنة ببلدان مشابهة أو متقدمة:
متوسط العمر المتوقع: مصر حوالي 72 عاماً، مقابل 83 عاماً في كوريا الجنوبية، و79 عاماً في السعودية، و78 عاماً في إيران، و76 عاماً في المغرب، و65 عاماً في جنوب أفريقيا.
وفيات الرضع لكل 1000 مولود حي: مصر حوالي 16-18، مقابل 2-3 في كوريا الجنوبية، و6-7 في السعودية، و11-12 في إيران، و15 في المغرب، و22-24 في جنوب أفريقيا.
كثافة الأطباء لكل 10 آلاف نسمة: مصر حوالي 7 أطباء، مقابل أكثر من 25 في كوريا الجنوبية والسعودية، و16 في إيران، و7-8 في المغرب.
مؤشر تغطية الخدمات الصحية الشاملة: مصر حوالي 68-70 نقطة، بينما تتجاوز كوريا الجنوبية والسعودية 80-85 نقطة.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات حكومية؛ هي مؤشرات أداء على أرض الواقع تعكس جودة الخدمة وإمكانية الوصول والنتائج الصحية. ومع ذلك، تفتقر مصر إلى أي مسح شامل محايد خارجي لقياس رضا المواطنين عن مستوى الرعاية الصحية، مما يجعل التقييم الرسمي غير مكتمل ويفتقر إلى المصداقية الكاملة.

عند وضع الإنفاق تحت المجهر، تظهر الفجوة بوضوح. رغم تخصيص مليارات الجنيهات للبنية التحتية والمباني والرواتب والتدريب والسفر وبدلات كبار المسؤولين والمؤتمرات والتكريمات، إلا أن النتائج لا تتناسب مع هذا الحجم.

إن الإنفاق الحكومي على الصحة غالباً ما يقل عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الحد الدستوري، مع ارتفاع الإنفاق من جيوب المواطنين إلى أكثر من 60% من إجمالي الإنفاق الصحي، مما يؤدي إلى نفقات كارثية تدفع ملايين الأسر إلى الفقر.

الانتقادات الموثقة تؤكد أن التركيز على الجوانب الإدارية والإعلامية والمجاملات أدى إلى إغفال الجودة الفعلية: هناك نقص حاد في الأطباء والتمريض بسبب هجرة الكفاءات لتدني الرواتب، ونقص الأجهزة الطبية والأدوية في المرافق العامة، وتفاوت كبير بين المحافظات، وضعف في الرعاية الأولية والوقائية.

هذه الثغرات تتعارض مع المعايير العالمية التي تؤكد على الكفاءة والعدالة والنتائج القابلة للقياس، لا على الإنفاق الظاهري أو التقارير الرسمية وحدها. والابتعاد عن الشو الإعلامي وتكريمات فوربس ومؤتمرات التميز المؤسسي يمكن أن يبدأه مجلس النواب بإجراء تقييم حقيقي من خلال عمل استبيان محلي عبر جهة محايدة على عينة ممثلة من الشعب، وعندها سنصدم جميعاً بالفجوة بين الشعارات والواقع.

إن الرعاية الصحية في مصر تحتاج رعاية حقيقية: تقييم محايد مستمر، وزيادة الإنفاق الفعال على الكوادر والجودة، وإجراء مسوحات خارجية مستقلة لرضا المواطنين. بدون ذلك، تبقى التجربة بعيدة عن تحقيق العدالة الصحية التي يستحقها 120 مليون مصري .

يسري الشرقاوي
Comments (0)
Add Comment