صراع ” الجيوب”

صراع ” الجيوب”

بقلم د يسري الشرقاوي رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة ومستشار الاستثمار الدولي والتنمية الاقتصادية 

 

الصراع الدائم بين “جيب” الحكومة و”جيب” المواطن في العالم الثالث !!
من اين يبدأ ؟
وكيف يسير؟
واين ومتى ينتهي ؟

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي في الدول الناشئة لا يبدأ برفع أسعار الوقود أو الكهرباء، بل بضبط الإنفاق الحكومي غير المنتج بكافة بنوده. فكل دولار يُهدر في سفريات مسؤولين حكوميين أو مؤتمرات أو احتفالات أو بدلات مستشارين أو نثريات أو وقود مسؤولين أو حراسات ومعاونين أو انتقالات موسمية تُخصم مباشرة من قُدرة الطبقة الوسطى على الصمود.

إن الدول التي نجحت في المعادلة المتوازنة لم تطلب من المواطن أن يدفع أولاً، بل جعلت الحكومة تُراجع جيبها بالكامل قبل أن تُراجع جيب المواطن.

تجارب ست دول في السيطرة على مختلف بنود الإنفاق غير المنتج في إندونيسيا رافق خفض دعم الوقود حزمة واسعة من إجراءات الكفاءة. قُلصت ميزانيات السفر الرسمي بنسبة تصل إلى ٥٠% محلياً و٧٠% خارجياً، وخُفضت مصروفات الاجتماعات والندوات والاحتفالات والأنشطة الاحتفالية، وحُد من استخدام السيارات الرسمية والوقود، وقُلصت نفقات القرطاسية والمكاتب الادارية والتكييفات. وُجهت الوفورات (التي بلغت مليارات الدولارات في بعض السنوات) إلى البرامج ذات الأولوية والتحويلات النقدية، مع فرض مراجعة دورية لكل بند غير تشغيلي.

في الهند طبقت الحكومة والولايات ضوابط شاملة حيث خُفضت نفقات السفر بنسبة ٢٠-٢٥%، وفُرضت قيود أو حظر على السفر الخارجي في بعض الحالات، وقُلصت أحجام المواكب والسيارات الرسمية، وحُولت نسبة كبيرة من الاجتماعات إلى صيغة افتراضية، وخُفضت مصروفات المؤتمرات والضيافة والاحتفالات، كما رُبطت البدلات والمكافآت بمؤشرات الأداء، وأُعيد توجيه الموارد إلى الحماية الاجتماعية والبرامج الإنتاجية.

فيتنام ركزت على تقليص الإنفاق الجاري غير الضروري بنسبة مستهدفة تصل إلى ١٠% فأكثر حيث شملت الإجراءات خفض ميزانيات المؤتمرات والندوات والرحلات الداخلية والخارجية، مع ترشيد البدلات والنثريات، وتبسيط وتقليص الجهاز الإداري عبر دمج وزارات وهيئات ثم حُولت الوفورات إلى الاستثمار في البنية التحتية والحماية الاجتماعية، مما دعم توسع الطبقة الوسطى مع ارتفاع نصيب الفرد من الناتج الإجمالي.

تشيلي ربطت أي زيادة في الأجور أو البدلات بمؤشرات الإنتاجية، وفرضت سقوفاً صارمة على المصروفات الحكومية من سفريات ومؤتمرات واحتفالات ومكافآت و بدلات المستشارين ،كما راقبت استخدام السيارات الرسمية والوقود والضيافة، وأعادت توجيه الموارد نحو البرامج الاجتماعية المستهدفة، فساهم ذلك في خفض نسبة الفقر ونمو الطبقة الوسطى بشكل مستدام.

ماليزيا حددت أعداد المرافقين في الرحلات الخارجية، وقلصت الاحتفالات والمؤتمرات والندوات، وألزمت الجهات باستخدام المباني الحكومية والمشتريات المحلية، وخفضت نفقات الضيافة والهدايا التذكارية ورافقت هذه الإجراءات دعم مستهدف للوقود وتحويلات نقدية، فحافظت على الاستقرار المالي والاجتماعي معاً.

المغرب أصدر توجيهات صريحة بإلغاء أو تقليص النفقات غير الأساسية: السفر والنقل، أساطيل السيارات، الإيجارات والتأثيث، الرحلات الخارجية، الاستقبالات والاحتفالات والمؤتمرات والندوات، والدراسات غير الضرورية ثم رُبطت هذه الإجراءات بتمويل برامج الدعم الاجتماعي المباشر، مما سمح بتوسيع الحماية دون إرهاق للطبقة الوسطى.

 

هذه الدول اشتركت في قاعدة واحدة: الإنفاق غير المنتج بكل أنواعه (سفريات، مؤتمرات، احتفالات، بدلات، نثريات، وقود، حراسات، معاونين، انتقالات موسمية) ليست اموراً مقدسة، كل بند من ذلك خضع للمراجعة والرقابة والتخفيض، وتحول الوفر إلى حماية ملموسة للمواطن.

ما هو موقع مصر في هذه المعادلة ؟ سعت مصر إلى توسيع شبكات الحماية الاجتماعية واستهدفت ملايين الأسر بالدعم النقدي ،إلا أن بنود الإنفاق الإداري داخل الجهاز الحكومي لا تزال تشكل عبئاً ملحوظاً، فمخصصات مكافآت المستشارين وبدلات الانتقال والسكن المرتبطة بالمقار الجديدة بلغت عشرات الملايين من الدولارات في الموازنات الأخيرة ، كما تستمر تكاليف الإقامات الموسمية والاجتماعات الدولية والمشاركات الخارجية والحراسات والمعاونين والنثريات في استنزاف موارد كان يمكن توجيها مباشرة إلى حماية ومساندة الطبقة الوسطى .

إن الفجوة بين خطاب الترشيد والواقع الإداري لا تزال قائمة بل وتتسع، وتحتاج إلى إجراءات أكثر حسماً وشفافية على غرار التجارب السابقة.

أرى أن هناك نقاط عملية لضبط “جيب” الحكومة اقترح أن تكون على النحو التالي :
أولاً نقاط تتعلق بالشفافية والمحاسبة
١. إنشاء منصة رقمية شفافة تنشر بشكل فوري وتفصيلي كل مصروفات السفر والمؤتمرات والبدلات والمستشارين والنثريات والاحتفالات، بحيث تكون متاحة للمواطن والبرلمان دون استثناء.
٢. سقف معلن وصارم لحجم الوفود مع نشر الأسماء والمبررات والنتائج المتوقعة.
٣. شراء خدمات السفر عبر منصات شفافة تنافسية فقط.
٤. نشر تقرير ربع سنوي علني يقارن بين ما وُفر من ضبط الإنفاق الحكومي وما وُجه فعلياً إلى حماية المواطن، مع محاسبة واضحة على أي فجوة.

ثانياً نقاط تتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي
١. تحويل معظم الاجتماعات إلى صيغة افتراضية إلا إذا ثبت عائد اقتصادي واضح.
٢. تشكيل هيئة تدقيق مستقلة للنثريات تضم ممثلين عن المجتمع.
٣. ربط بدلات المستشارين بمؤشرات أداء قابلة للقياس أو إلغاؤها تدريجياً.
٤. تقييد شديد للانتقالات الموسمية بين المقرات.
٥. موازنة صفرية لأي احتفال أو مؤتمر: إما مبرر اقتصادي موثق أو إلغاء الفاعلية.
٦. مراجعة شاملة لأعداد المستشارين والمعاونين والحراسات الخاصة وإعادة هيكلتها وفق معايير الحاجة الفعلية لا للاعتبارات الشكلية.

ثالثاً نقاط خاصة بالحماية المباشرة للمواطن
١. تحويل جزء من وقود وسائل انتقال المسؤولين إلى دعم نقل عام أو تحويلات مباشرة للمواطنين.
٢. أي قرار برفع أسعار يجب أن يُعلن معه رقم الوفورات المحققة من ضبط الإنفاق وكيف ستُحوَّل إلى حماية مباشرة.
٣. بناء قواعد بيانات وطنية دقيقة وشاملة ومترابطة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، وإنهاء التسرب إلى غير المستحقين.
٤. اعتماد نظام ضرائب تصاعدية حقيقية على الدخول والأرباح الكبيرة كبديل عادل عن رفع أسعار السلع الأساسية والطاقة على عموم المواطنين بكافة طبقاتهم.
٥. ربط أي زيادة في أسعار الطاقة ببرنامج تعويض نقدي فوري ومباشر للطبقة الوسطى والدنيا لمدة محددة، يُمول من وفورات الإنفاق غير المنتج.

في النهاية أكرر أن الإصلاح الذي يحمي الطبقة الوسطى يبدأ من داخل الحكومة، والدول التي نجحت لم ترفع الأسعار أولاً، بل ضبطت جيبها أولاً بكل بنوده فهذا هو الطريق الوحيد لاستعادة الثقة وتحقيق المعادلة المتوازنة، وإنهاء الصراع المستمر بين “جيب” الحكومة و”جيب” المواطن.

الشرقاوي
Comments (0)
Add Comment