اقترب «بنك اليابان» خطوة إضافية من رفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول) الحالي، بعدما تعهد محافظه، كازو أويدا، بمواصلة التشديد النقدي إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية والأسعار في مسارها الحالي، بالتزامن مع دعم أميركي واضح لخطوات «حاسمة» تعالج ضعف الين وتحد من انتقاله إلى التضخم.
وتجمع التطورات بين ضغوط داخلية وخارجية غير معتادة على «البنك المركزي الياباني»؛ فمن جهة، يرى أويدا أن التضخم الأساسي بات قريباً من هدف البنك البالغ اثنين في المائة؛ مما يستدعي اهتماماً أكبر بمخاطر ارتفاع الأسعار. ومن جهة أخرى، يحث وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، طوكيو على استخدام السياسة النقدية لمواجهة انخفاض قيمة العملة بدلاً من الاعتماد بصورة أساسية على التدخل المباشر في سوق الصرف.
وقال أويدا، عقب مشاركته في اجتماع قادة المالية لـ«مجموعة العشرين» في آشفيل بولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، إن البنك سيواصل رفع أسعار الفائدة ما دامت الأوضاع المالية ميسرة، مشيراً إلى أن اجتماع 17 و18 سبتمبر الحالي سيبحث بصورة معمقة ما إذا كانت مخاطر التضخم الصعودية قد ازدادت.
وأضاف أن البيانات الصادرة منذ اجتماع يوليو (تموز) الماضي تشير إلى أن الاقتصاد والأسعار يتحركان عموماً وفق توقعات «البنك»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة تقييم التأثير التراكمي لزيادات الفائدة السابقة على النشاط الاقتصادي.
وتعكس تصريحاته محاولة لتحقيق توازن دقيق لإبقاء الباب مفتوحاً أمام التشديد من دون إعطاء الأسواق تعهداً مسبقاً بالقرار. ورفض أويدا التعليق على حقيقة أن المستثمرين باتوا يسعرون بدرجة شبه كاملة زيادة جديدة في سبتمبر. لكن المساحة المتاحة لـ«البنك» لتأجيل التحرك أصبحت أضيق، خصوصاً بعد الاجتماع الذي عقده أويدا مع بيسنت على هامش اجتماعات «مجموعة العشرين». وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن بيسنت شدد خلال اللقاء على أهمية صياغة السياسة النقدية والتواصل بشأنها بصورة تساعد على تثبيت توقعات التضخم وتجنب التقلبات المفرطة في سعر الصرف، وأعرب عن «دعم قوي» للخطوات اليابانية الحاسمة في السوق والسياسة النقدية لمواجهة الانخفاض الكبير في قيمة الين.
ضغوط التضخم
كما أشار بيسنت بصورة مباشرة إلى دور ضعف العملة في زيادة الضغوط التضخمية المحلية. وهذه الرسالة مهمة؛ لأن الين أصبح جزءاً أساسياً من معادلة التضخم اليابانية؛ فالعملة الضعيفة تزيد تكلفة واردات الطاقة والمواد الخام والغذاء، مما يرفع نفقات الشركات والأسر ويهدد بتحويل التضخم المستورد ضغوطاً سعرية أطول استدامة. وكان الين قد هبط إلى نحو 164 للدولار، وهو أدنى مستوى في نحو 4 عقود، قبل أن تنفذ اليابان والولايات المتحدة تدخلاً مشتركاً نادراً في 31 يوليو الماضي لشراء العملة اليابانية. ونجح التدخل في دفع الين إلى الارتفاع سريعاً، لكنه لم يؤسس مستوى دعم مستداماً؛ إذ عادت العملة لاحقاً إلى الاقتراب من 160 للدولار. وهذا ما يعزز الاعتقاد بأن التدخل في سوق الصرف يستطيع مواجهة التحركات الفوضوية، لكنه لا يستطيع بمفرده تغيير الاتجاه الأساسي للعملة إذا بقيت فروق أسعار الفائدة واسعة. وكان بيسنت قد وصف تحركات الين الأخيرة بأنها ليست غير منظمة، وقال إنه يتوقع من أويدا «اتخاذ القرار الصائب»، وهو ما فسرته الأسواق بأنه تفضيل أميركي لمعالجة ضعف العملة عبر السياسة النقدية.
سبتمبر يقترب من الحسم
رفع «بنك اليابان» سعر الفائدة إلى واحد في المائة خلال يونيو (حزيران) الماضي، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً، بعدما بدأ دورة التطبيع النقدي الحالية في 2024. وحتى الآن، تحرك «البنك» بوتيرة تقارب زيادتين سنوياً، لكن المستثمرين يتوقعون أن تتسارع هذه الوتيرة مع ارتفاع التضخم واستمرار ضعف الين. وقد دفعت سلسلة من التصريحات المتشددة من مسؤولي «البنك» الأسواق إلى تسعير رفع الفائدة في سبتمبر بدرجة شبه كاملة، وسط توقعات بوصولها إلى 1.25 في المائة.. بل إن تقديم الزيادة إلى سبتمبر الحالي بدلاً من الانتظار حتى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل قد يدفع بالمستثمرين إلى الاعتقاد بأن «بنك اليابان» يتحول إلى دورة تشديد أسرع، ربما عبر زيادة الفائدة مرة كل 3 أشهر. وتعزز البيانات الاقتصادية الأخيرة هذه الحجة. فقد أظهر إنفاق الشركات على المصانع والمعدات تحسناً في الربع الثاني، فيما بقي نشاط التصنيع قوياً، مدعوماً بالطلب على أشباه الموصلات والمنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما أظهرت أرباح الشركات قدرة على تحمل زيادات الفائدة السابقة، وهو ما يقلل المخاوف من أن يؤدي مزيد من التشديد إلى إضعاف قطاع الأعمال سريعاً.
في المقابل، ارتفع تضخم أسعار الجملة، مدفوعاً جزئياً بتكاليف الاستيراد المرتبطة بضعف الين، مما زاد مخاوف البنك من تجاوز التضخم المستويات المستهدفة.
معادلة صعبة
لكن أويدا لا يزال أمام معادلة صعبة، فالتشديد الأسرع يمكن أن يدعم الين ويخفف التضخم المستورد، لكنه يرفع أيضاً تكاليف الاقتراض ويضغط على سوق السندات اليابانية. وقد أصبحت هذه المخاطر أوضح مع وصول عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى نحو 3 في المائة، وهو أعلى مستوى في 3 عقود، في وقت تواجه فيه الحكومة احتياجات إنفاق كبيرة وعبئاً ضخماً لخدمة الدين. وبذلك بات «بنك اليابان» مطالَباً بالموازنة بين 3 قوى في الوقت نفسه؛ هي: التضخم الذي يقترب من هدفه وربما يتجاوزه، والين الذي يحتاج إلى دعم، وسوق السندات التي بدأت بالفعل تسعر نهاية عصر الفائدة المنخفضة. كما أن السياسة الأميركية تزيد تعقيد الصورة، فإذا رفع «مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الفائدة أيضاً في سبتمبر الحالي، فقد يبقى فارق العوائد بين البلدين واسعاً حتى بعد زيادة يابانية بمقدار 25 نقطة أساس؛ مما قد يحد من استفادة الين. ولهذا؛ فإن اجتماع سبتمبر يتجاوز قراراً تقليدياً بشأن ربع نقطة مئوية. فالمستثمرون سيركزون على إشارات أويدا بشأن سرعة الزيادات التالية، ومدى قلق «البنك» من التضخم، وقدرته على تشديد السياسة من دون إحداث اضطراب في سوق السندات. وبعد عقود كان فيها «بنك اليابان» يحارب الانكماش ويحاول دفع الأسعار إلى الارتفاع، تبدو المعادلة اليوم معكوسة بصورة متصاعدة. فالمشكلة لم تعد كيفية خلق التضخم، بل كيفية احتوائه من دون خنق النمو أو زيادة أعباء الدين، فيما تضيف واشنطن ثقلاً سياسياً إلى الضغوط التي تدفع طوكيو نحو تشديد أسرع.