مراكز البيانات تفتح باباً جديداً لتوطين صناعة التبريد في السعودية

من المباني والمشروعات العملاقة إلى مراكز البيانات، تتسع خريطة الطلب على حلول التكييف والتبريد في السعودية، مدفوعة بوتيرة الإنشاءات وتسارع الاستثمار في البنية الرقمية. ومع دخول الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية مرحلة توسع واسعة، تبرز مراكز البيانات بوصفها أحد محركات النمو الجديدة لقطاع التبريد، بما تفرضه من احتياجات متقدمة للكفاءة والاعتمادية والتعامل مع الظروف المناخية القاسية.

مراكز البيانات تفتح باباً جديداً لتوطين صناعة التبريد في السعودية

ولا تقتصر طفرة التبريد على السعودية، إذ يشهد القطاع عالمياً موجة نمو مدفوعة بارتفاع درجات الحرارة وتوسُّع الطلب على مراكز البيانات. وتقدِّر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي على الكهرباء لأغراض تبريد المباني ارتفع بنحو 50 في المائة منذ عام 2015، إلى نحو 2900 تيراواط/ ساعة، بينما بلغت شحنات أجهزة التكييف عالمياً نحو 200 مليون وحدة في 2024.

وتشير الوكالة إلى أن تبريد المباني أصبح أحد مصادر الضغط المتزايد على شبكات الكهرباء، خصوصاً خلال موجات الحر، في وقت تضيف فيه مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي طبقة جديدة من الطلب على تقنيات التبريد المتقدمة. ويُقدَّر استهلاك مراكز البيانات عالمياً بنحو 415 تيراواط/ ساعة في 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 945 تيراواط/ ساعة بحلول 2030، بينما تمثل أنظمة التبريد والتحكم البيئي جزءاً مهماً من استهلاك الطاقة في هذه المنشآت.

وتتزامن هذه الموجة مع ضغوط متزايدة لرفع كفاءة أجهزة التكييف وتقليل أثرها البيئي. ووفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة، قد يتجاوز الطلب العالمي على التبريد 3 أمثال مستوياته الحالية بحلول 2050 في حال استمرار السياسات القائمة، ما يجعل كفاءة المعدات وتطوير تقنيات أقل استهلاكاً للطاقة محوراً رئيسياً في مستقبل الصناعة.

وتمنح هذه التحولات السعودية فرصة لتوسيع قاعدة صناعة التكييف والتبريد محلياً، في ظلِّ توجه المملكة إلى تعزيز المحتوى المحلي وبناء قاعدة تصنيع قادرة على تلبية جانب أكبر من احتياجات السوق. كما تسعى شركات عالمية إلى توسيع حضورها داخل المملكة وإنشاء مصانع محلية، مستفيدة من حجم السوق وتنامي المشروعات الإنشائية والرقمية.

وفي هذا السياق، قال نبيل شاهين، المدير الإقليمي لـ«معهد التكييف والتدفئة والتبريد» الأميركي (AHRI) في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن السعودية تستحوذ على أكثر من نصف سوق أجهزة التكييف في دول الخليج، مشيراً إلى أن نمو السوق يرتبط بتوسع المشروعات التجارية والإنشائية، إلى جانب الطفرة التي تشهدها مراكز البيانات.

مراكز البيانات تعيد تشكيل سوق التبريد

وأوضح شاهين أن المملكة تشهد «طفرة نمو» في مراكز البيانات، مدفوعةً بالانتشار السريع للذكاء الاصطناعي، وازدياد الطلب على خدمات الحوسبة السحابية، لافتاً إلى وجود مشروعات عدة تنفذها شركات أميركية وأوروبية لبناء مراكز بيانات داخل السعودية.

ومع ارتفاع احتياجات هذه المنشآت من التبريد، يعمل «AHRI» مع «الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة (SASO)» على تطوير وتعديل مواصفات لمعدات مراكز البيانات، بما يراعي درجات الحرارة والظروف المناخية في المملكة، إلى جانب المتطلبات المحلية.

مواصفة سعودية لـ«المكيفات الصحراوية»

وأشار شاهين إلى أن الهيئة طلبت من المعهد إعداد مواصفة جديدة لأنظمة التبريد بالتبخير، المعروفة محلياً باسم «المكيفات الصحراوية»، والتي تستخدم المياه في عملية التبريد بدلاً من المبردات المُعتمَدة في أنظمة التكييف التقليدية.

وأوضح أن هذا النوع من الأنظمة لا توجد له حالياً مواصفة عالمية موحدة، مضيفاً أن المعهد يعمل على تطوير المواصفة ورفعها إلى الهيئة تمهيداً لاعتمادها لتكون مرجعاً للمُصنِّعين في السوق السعودية.

كفاءة أعلى لتقليص فاتورة الكهرباء

وقال شاهين إن المواصفة الجديدة ستتضمن معايير لقياس كفاءة الطاقة، بما يساعد على تحديد أداء وحدات التكييف ومدى ملاءمتها للظروف المحلية.

وتكتسب كفاءة أجهزة التكييف أهميةً خاصةً في السعودية، نظراً إلى ارتفاع استهلاكها للطاقة، إذ يمكن لتحسين كفاءة الأنظمة أن يسهم في خفض الطلب على الكهرباء وتقليص الانبعاثات المرتبطة بتوليدها.

السعودية تقود سوق الخليج

وفيما يتعلق بحجم السوق، قدَّر شاهين حصة السعودية بأكثر من 50 في المائة من سوق أجهزة التكييف في دول الخليج، مشيراً إلى أن هذه الحصة تواصل الارتفاع مع زيادة المشروعات التجارية والإنشائية، خصوصاً في الرياض والمناطق الساحلية ومكة المكرمة.

وأوضح أن بعض التقديرات تضع حصة المملكة عند نحو 60 في المائة من السوق الخليجية، لكنه يفضل الاستناد إلى تقدير يتجاوز 50 في المائة، في ظلِّ عدم توافر أرقام رسمية موثقة تحدد الحصة بدقة.

ويعكس هذا الحجم من الطلب جاذبية السوق السعودية للشركات العالمية، التي عزَّز عددٌ منها وجوده داخل المملكة خلال العامين الماضيين عبر إنشاء مصانع جديدة أو توسيع منشآت قائمة.

وقال شاهين إن التصنيع المحلي يمنح الشركات ميزة إضافية من خلال خفض جزء من تكاليف الاستيراد، التي قد تتراوح بين 5 و12 في المائة، مشيراً إلى وجود 3 مصانع محلية كبيرة تشهد توسعاً في أعمالها.

من التجميع إلى تصنيع المكونات

لكن توطين الصناعة لا يزال يواجه تحدي الاعتماد على المكونات المستورَدة. وقال شاهين إن غالبية المكونات الأساسية لأجهزة التكييف، بما فيها المحركات الكهربائية والضواغط والنحاس وغازات التبريد، لا تزال تأتي من الخارج.

وأضاف أن جزءاً كبيراً من النشاط الصناعي المحلي يتركز حالياً في عمليات التجميع، مع وجود تصنيع لبعض المكونات داخل المملكة، من بينها المبادلات الحرارية.

ويرى أن الخطوة التالية تتمثل في الانتقال تدريجياً من التجميع إلى تصنيع نسبة أكبر من مكونات أجهزة التكييف محلياً، بما يشمل المكونات الإلكترونية، ولوحات الدوائر، والمحركات الكهربائية.

ودعا إلى مزيد من التسهيلات والحوافز الحكومية لدعم هذا المسار، بما في ذلك توفير الأراضي، والمساحات الصناعية، والمناطق الحرة، والتسهيلات الاستثمارية، بما يساعد المصانع السعودية على التَّوسُّع ورفع نسبة المكونات المنتَجة محلياً.

أخبار السعوديةأصول السعودية الاحتياطيةالسعودية
Comments (0)
Add Comment