هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتخاذ إجراءات عقابية إضافية ضد كندا بعد دخول رسومها الجمركية الجديدة، التي تستهدف واردات من الولايات المتحدة بقيمة تقارب 20 مليار دولار، حيز التنفيذ رسمياً الثلاثاء، في أحدث تصعيد للحرب التجارية بين الجارين الحليفين في أميركا الشمالية.
وكانت أوتاوا ترد على قرار سابق لترمب بفرض رسوم جمركية نسبتها 50 في المائة على مجموعة واسعة من المنتجات قيمتها 20 مليار دولار، أي ما يعادل 6 في المائة من إجمالي صادرات الولايات المتحدة إلى كندا العام الماضي التي بلغت 333.6 مليار دولار، عقب تعثر المفاوضات التجارية بين الجانبين، وتعهد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأن بلاده سترد بالمثل. وتشمل هذه الرسوم الكندية مجموعة متنوعة من السلع الأميركية، ومنها الملابس والجبن وقطع المعادن والمنتجات الخشبية، بهدف معادلة ضرائب ترمب على كندا.
في الوقت الراهن، قد تكون الآثار الاقتصادية لهذا الرد المتبادل محدودة، لأن التعريفات لا تشمل سوى 5 في المائة من حجم التبادل التجاري السنوي بين الولايات المتحدة وكندا. لكن القلق الأكبر يكمن في احتمال حدوث دوامة من الانتقام، يمكن أن تؤدي إلى فرض رسوم جمركية أعلى وأكثر شمولاً، تضر بالأسر والشركات على جانبي الحدود.
وسعى كارني إلى تصوير نفسه كحصن منيع ضد العدوان التجاري الذي يشنه ترمب، واصفاً بلاده بأنها «في حالة حرب». وتعهد المسؤولون الكنديون عموماً بالرد «بدولار مقابل دولار» على أي رسوم جمركية أميركية.
معاقبة «بومباردييه»
وتدهورت العلاقات الأميركية – الكندية بشكل حاد خلال ولاية ترمب الثانية. وبالإضافة إلى الحرب التجارية، هدد ترمب بجعل كندا الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة. وهو دأب على السخرية من حجم اقتصاد كندا وقوتها العسكرية، مهدداً بفرض رسوم جمركية إضافية على واردات السيارات من كندا. ولمح إلى إمكانية وقف التجارة الثنائية بشكل كامل. وقبل ساعات من دخول الرسوم الجمركية الكندية الجديدة حيز التنفيذ، لجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمواصلة هجومه. واستهدف شركة «بومباردييه» الكندية لتصنيع الطائرات، فكتب: «لن تباع طائرات بومباردييه في الولايات المتحدة بعد الآن!»، مضيفاً أنه إذا أرادت «بومباردييه» الوصول إلى السوق الأميركية، «فعليها أن تصنع منتجاتها هنا، وأن تتوقف عن معاملة أميركا كمصدر للدخل».
وبعيد منشور ترمب، أصدرت «بومباردييه» التي تتخذ من كيبيك مقراً لها، بياناً أفادت فيه بأن منتجات صناعة الطيران والفضاء تعد من أهم الصادرات الأميركية، مضيفة أنها تصنع مكونات أساسية كالأجنحة في كاليفورنيا وتكساس. كما «تسهم بومباردييه بشكل كبير في هذا القطاع، حيث توفر عشرات الآلاف من فرص العمل في كل أنحاء الولايات المتحدة». ولفتت إلى أنها تتعاون مع نحو 2800 شركة أميركية في 47 ولاية، وأنها «تقدر شراكتها المميزة مع الشركات الأميركية وموظفيها الأميركيين». وأعلنت أنها توظف أكثر من ثلاثة آلاف شخص في الولايات المتحدة.
وأفادت رئيسة وزراء كيبيك كريستين فريشيت بأنها تواصلت مع الرئيس التنفيذي لـ«بومباردييه» لتقديم «دعمنا الكامل». وأضافت: «لن تسمح كيبيك لأحد بأن يملي على شركاتنا مكان إنتاج منتجاتها للوصول إلى السوق. سندافع عن شركاتنا وعمالنا وخبراتنا بكل حزم».
وكذلك اتهم ترمب كندا بعرقلة «مصارفنا وشركاتنا الأميركية العظيمة». وحض المستهلكين الأميركيين على الامتناع عن شراء بعض السلع الكندية، مضيفاً: «اشتروا المنتجات الأميركية. سافروا على متن الخطوط الجوية الأميركية. استمتعوا بالمشروبات الكحولية الأميركية. أبحروا في بحيرة أميركا»، بعدما غير اسم بحيرة أونتاريو المشتركة بين الولايات المتحدة وكندا.
وقدم الخلاف مع كندا دليلاً جديداً على أن ترمب لا يزال ملتزماً استراتيجيته المزعزعة للاستقرار في مجال التجارة. ورغم مضي عامين على هزائم قضائية متكررة، ونزاعات دولية حادة، وردود فعل محلية متزايدة، فإن الرسوم الجمركية لا تزال هي الأداة المفضلة لترمب في محاولة لتعزيز التصنيع المحلي، وتوقيع اتفاقيات تجارية أفضل.
دول أخرى
وبينما يتصاعد التوتر مع كندا، يجري ترمب ومساعدوه اللمسات الأخيرة على قائمة من التعريفات الجمركية الجديدة التي تستهدف عشرات الدول الإضافية التي اتهمتها الإدارة بممارسات تجارية غير عادلة. ومن المتوقع أن تكشف الجولة الأخيرة من التعريفات أن دولاً أخرى أنتجت كميات زائدة من سلع معينة – ما سمته الإدارة «الطاقة الإنتاجية الفائضة»، مما أدى إلى عجز تجاري أميركي كبير ومستمر مع تلك الدول.
وتهدف هذه الضرائب، التي يمكن أن تفرض هذا الأسبوع، إلى استبدال بعض الرسوم التي ألغتها المحكمة العليا في فبراير (شباط) الماضي.
ومما يزيد من حدة التوترات، أن ترمب هدد بحظر كل التجارة مع الدول التي تصدر إلى الولايات المتحدة أكثر مما تستورد منه. وتعاني الولايات المتحدة حالياً عجزاً تجارياً هائلاً في السلع والخدمات مع عشرات الشركاء التجاريين، بما في ذلك كثير من الشركاء في أوروبا وآسيا. وقد يكون لوقف الواردات عواقب اقتصادية وخيمة.