تجد أستراليا نفسها أمام موجة تضخمية مختلفة عن تلك التي دفعت البنك المركزي إلى التشديد في السابق، فارتفاع أسعار النفط الناجم عن اضطرابات الشرق الأوسط يتزامن مع طفرة استثمارية في الذكاء الاصطناعي تدعم الطلب وترفع تكاليف بعض المدخلات، في حين بدأ الاقتصاد إظهار علامات التباطؤ تحت وطأة الفائدة المرتفعة.
أستراليا ترفع الفائدة إلى أعلى مستوى في 15 عاماً وسط عودة التضخم
وفي مواجهة هذه المعادلة، رفع بنك الاحتياطي الأسترالي سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 4.6 في المائة، وهو أعلى مستوى في 15 عاماً، في رابع زيادة منذ بداية العام، لترتفع حصيلة التشديد النقدي خلال 2026 إلى نقطة مئوية كاملة. وجاء القرار بالإجماع، رغم أن مجلس البنك ناقش خلال اجتماعه إمكانية الإبقاء على الفائدة دون تغيير، فيما أبقى الباب مفتوحاً أمام زيادات جديدة إذا استمرت الضغوط السعرية.
وقالت محافظة البنك المركزي، ميشيل بولوك، إن صانعي السياسة يريدون الآن تقييم أثر الزيادات التي أُقرت حتى الآن في الاقتصاد، موضحة أن الأوضاع المالية أصبحت أكثر تشدداً، لكن البنك غير متأكد بعد من أنها كافية لإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف.
وأضافت بولوك، خلال مؤتمر صحافي عقب القرار، أن الزيادات الأربع «قد تكون كافية» لخفض الضغوط التضخمية، لكنها قالت: «هل ستكون كافية؟ لا أعرف».
النفط يوسّع ضغوط الأسعار
وجاء قرار رفع الفائدة في وقت تتزايد فيه مخاطر التضخم بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، فقد ارتفع خام برنت بنحو 20 في المائة منذ اجتماع البنك في أغسطس (آب) الماضي، وسط استمرار اضطرابات إمدادات النفط العالمية المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط.
ويتوقع الاقتصاديون أن يرتفع التضخم العام في أستراليا إلى 4.1 في المائة خلال أغسطس، من 3.5 في المائة في يوليو (تموز)، مع توقع بقاء التضخم الأساسي عند 3.6 في المائة، وهي مستويات تتجاوز بوضوح النطاق المستهدف للبنك البالغ بين 2 و3 في المائة. ومن المقرر صدور بيانات التضخم الأربعاء.
وقال مجلس البنك إن «مزيداً من الاضطرابات في إمدادات النفط العالمية»، إلى جانب بيانات محلية أظهرت نمواً وتضخماً أعلى من المتوقع، عززا الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية.
كما حذرت بولوك من أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط لفترة أطول قد يدفع الشركات إلى تمرير ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل إلى المستهلكين، بما يوسع نطاق الضغوط السعرية من الوقود إلى السلع والخدمات الأخرى.
وقال وزير الخزانة جيم تشالمرز إن الحرب في الشرق الأوسط أصبحت عاملاً رئيسياً وراء تحديات التضخم، مضيفاً أن الأستراليين «يدفعون ثمناً باهظاً» للصراع من خلال ارتفاع تكاليف المعيشة.
الذكاء الاصطناعي يدخل معادلة التضخم
ولا تقتصر المخاطر التي يراقبها البنك المركزي على الطاقة، فقد أصبحت طفرة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عاملاً إضافياً في حسابات السياسة النقدية، مع تسارع الإنفاق على مراكز البيانات في أستراليا.
ويُقدّر «وستباك»، أكبر البنوك في أستراليا، قيمة الاستثمارات المحتملة في مراكز البيانات بنحو 175 مليار دولار أسترالي (122.8 مليار دولار أميركي)، وهو ما يزيد الطلب المحلي على العمالة ومواد البناء والتقنيات، حتى في ظل اعتماد أستراليا على استيراد جانب كبير من المعدات التكنولوجية.
وقال البنك المركزي إن الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي يدفع إلى نمو سريع في الأسعار العالمية للسلع التكنولوجية، في حين تراقب بولوك أيضاً احتمال أن تتحول هذه الاستثمارات لاحقاً إلى مكاسب في الإنتاجية.
وكان نائب محافظ البنك أندرو هاوزر قد عاد أخيراً من الولايات المتحدة أكثر قلقاً بشأن التضخم، بعد اطلاعه على حجم طفرة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي هناك.
الاقتصاد لا يزال متماسكاً
وتأتي موجة التشديد النقدي في وقت بدأت فيه تكاليف الاقتراض المرتفعة تضغط على النشاط الاقتصادي، وإن ظل الاقتصاد الأسترالي يسجل نمواً، فقد نما الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي بلغ 2.1 في المائة خلال الربع الثاني، وهو مستوى يتجاوز قليلاً معدل النمو البالغ 2 في المائة الذي يرى البنك أنه يمكن الحفاظ عليه من دون توليد ضغوط تضخمية إضافية.
كما استقر إنفاق الأسر في أغسطس بعد ثلاثة أشهر متتالية من النمو القوي، لكنه ظل مرتفعاً بمعدل سنوي بلغ 6.8 في المائة.
وفي سوق العمل، بدأت الأوضاع تتراجع تدريجياً، لكن البنك ما زال يعدّها ضيقة. وتجاوز نمو الوظائف التوقعات في أغسطس، فيما ارتفع معدل البطالة إلى 4.6 في المائة نتيجة دخول مزيد من الأشخاص إلى قوة العمل.
الأسواق تخفّض رهاناتها على الرفع القريب
ورغم أن الأسواق كانت تتوقع رفع الفائدة، فإن الدولار الأسترالي تراجع بعد القرار، في إشارة إلى أن المستثمرين كانوا يتوقعون لهجة أكثر تشدداً.
وانخفض الدولار الأسترالي بنحو 0.3 في المائة إلى 0.6993 دولار أميركي، بعدما قلصت الأسواق احتمالات رفع الفائدة في نوفمبر إلى نحو 32 في المائة، من 44 في المائة قبل القرار، في حين تراجعت احتمالات رفعها في ديسمبر إلى نحو 50 في المائة من 60 في المائة.
وقال كبير الاقتصاديين في «إيه إم بي»، شين أوليفر، إن السيناريو الأساسي لديه هو أن الفائدة ربما بلغت ذروتها، وأن البنك «أنجز على الأرجح ما يكفي» لإضعاف الطلب بما يسمح بإعادة التضخم إلى مستهدفه بحلول نهاية العام المقبل.
لكن أوليفر أضاف أن ارتفاع تكاليف الرهن العقاري والوقود، وتراجع أسعار المنازل، وتباطؤ سوق العمل، تزيد مخاطر حدوث ركود، ما قد يقلّل الحاجة إلى مزيد من الرفع.
وبذلك أصبح البنك المركزي الأسترالي في مرحلة أكثر دقة؛ فالتضخم لا يزال أعلى من المستهدف، فيما بدأت آثار التشديد النقدي تظهر في الطلب وسوق الإسكان والاقتصاد، الأمر الذي يجعل البيانات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت زيادة سبتمبر هي الأخيرة أم مقدمة لخطوة أخرى.