فرص في عز الازمة

0

فرص في عز الازمة

بقلم د يسري الشرقاوي رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة ومستشار الاستثمار الدولي والتنمية والتطوير 

في خضم التحديات الجيوسياسية التي ضربت مضيق هرمز منذ مطلع عام ٢٠٢٦، والتي أدت إلى تراجع حاد في تدفقات النفط عبره بنسبة تجاوزت ٧٠-٨٥% في فترات الذروة، يجد منتجو النفط ومشاريع البتروكيماويات في السعودية ودول الخليج أنفسهم أمام ضرورة إعادة هندسة مسارات التصدير لضمان استمرارية الإمدادات إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.

لم تعد الحلول التقليدية كافية، بل باتت المسارات البديلة عبر الأراضي المصرية تمثل العمود الفقري للاستجابة العملية، محولةً الأزمة إلى فرصة استراتيجية تعز مكانة مصر كمركز لوجستي إقليمي.

اعتمدت أرامكو السعودية، أكبر مصدر للنفط عالمياً، على خط أنابيب الشرق-الغرب (بقدرة تصل إلى ٧ ملايين برميل يومياً) لتحويل معظم صادراتها من موانئ الخليج إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، حيث بلغت صادرات ينبع ذروتها أكثر من ٤ ملايين برميل يومياً في أشهر الربيع. ومع تصاعد تهديدات الحوثيين على باب المندب في يوليو ٢٠٢٦، تحولت الشحنات شمالاً إلى ميناء العين السخنة المصري، ثم عبر خط أنابيب سوميد (SUMED) إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، قبل الإبحار حول رأس الرجاء الصالح إلى آسيا. يعمل سوميد بطاقة تصميمية ٢٫٥ مليون برميل يومياً عبر خطين متوازيين بقطر ٤٢ بوصة وطول ٣٢٠ كيلومتراً، وقد ارتفعت تدفقات النفط عبره بنسبة ١٥٠% لتصل إلى طاقته القصوى، مقارنة بمليون برميل يومياً قبل الأزمة.

وهنا تجد الإشارة إلى أن مصر تمتلك ٥٠% من الشركة العربية لأنابيب البترول المشغلة، فيما تشارك أرامكو بنسبة ١٥%، والكويت ١٥%، والإمارات (مبادلة) ١٥%، وقطر للطاقة ٥%.

تأتي هذه المسارات بتكاليف إضافية ملموسة ،ويقدر مصدر مطلع أن إعادة التوجيه عبر سوميد ثم رأس الرجاء الصالح تضيف نحو ٥ دولارات لكل برميل، أو ما يعادل ١٠ ملايين دولار تقريباً للشحنة النموذجية (ناقلة عملاقة تحمل نحو مليوني برميل) ويمتد زمن الرحلة إلى آسيا من نحو ١٩ يوماً إلى ٤٨ يوماً، مما يرفع تكاليف الوقود من حوالي ١٫٢٦ مليون دولار إلى ٢٫٨٧ مليون دولار للرحلة الواحدة، إضافة إلى رسوم سوميد التي تبلغ نحو ٠٫٩٥ دولار للبرميل. أجبرت هذه الأرقام أرامكو على دراسة صيغة تسعير منفصلة لشحنات سيدي كرير المتجهة إلى آسيا، لأن سعر البيع الرسمي الآسيوي القياسي لم يعد يعكس الاقتصاد الحقي للشحنات.

بالنسبة لمصر، تتحول هذه التكاليف إلى مكاسب اقتصادية مباشرة. ارتفاع استخدام سوميد إلى طاقته القصوى يزيد إيرادات رسوم النقل والتخزين (سعة التخزين تصل إلى ١٨٫٤ مليون برميل في العين السخنة و١٩٫٥ مليون برميل في سيدي كرير)، بينما تفتح الفرصة أمام توسعة القدرات واستقطاب استثمارات خليجية إضافية في الموانئ والبنية التحتية ،كما يستفيد الاقتصاد المصري من تعزيز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كموقع مثالي لمشاريع البتروكيماويات المرتبطة بهذه التدفقات، حيث يمكن تحويل جزء من الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة محلياً، مما يدعم الصادرات ويخلق فرص عمل.

 

الحلول الجارية تشمل بالفعل زيادة الشحنات الفورية من سيدي كرير، واستخدام قناة السويس بشكل جزئي للناقلات الأصغر أو نصف المحملة، وتطوير آليات تسعير مرنة. أما المقترحات المستقبلية فتشمل توسيع طاقة سوميد بما يتجاوز ٢٫٥ مليون برميل يومياً عبر استثمارات مشتركة خليجية-مصرية، وإنشاء مجمعات بتروكيماوية متكاملة في العين السخنة والسويس تعتمد على الخام الخليجي كمواد أولية، وتطوير خطوط أنابيب إضافية أو محطات تخزين استراتيجية، وتعزيز التعاون في مجالات الهيدروجين الأخضر والوقود المستدام داخل المنطقة الاقتصادية. يمكن أيضاً إعادة تأهيل مسارات تاريخية محدودة أو ربطها بشبكات النقل المصرية لتوفير مرونة أكبر.

بهذه الطريقة، تتحول مصر من متأثر سلبي بتوترات البحر الأحمر إلى شريك أساسي في حلول الأمن الطاقوي الخليجي. الإيرادات المتزايدة من رسوم العبور والتخزين، والاستثمارات الجديدة في البنية التحتية والصناعات التحويلية، والتدفقات التجارية الإضافية، كلها عوامل تسهم في تعزيز الاحتياطيات الأجنبية ودعم النمو الاقتصادي. من رحم الأزمات الجيوسياسية يبرز بريق الأمل المصري، مؤكداً أن الموقع الجغرافي والبنية التحتية الراسخة يمكن أن يحولا التحديات الإقليمية إلى محركات تنمية مستدامة للاقتصاد الوطني.

 

في النهاية أؤكد أن تشغيل خط سوميد بالطاقة القصوى وزيادة رسوم العبور والتخزين يمثلان مصدر دخل مباشر بالعملة الصعبة يدعم الاحتياطيات الأجنبية لمصر.

كما أن تحويل العين السخنة وسيدي كرير إلى محاور لوجستية وصناعية يفتح الباب أمام استثمارات خليجية في البتروكيماويات والصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة.

وتوسيع الطاقة الاستيعابية للخطوط والموانئ سيحول التكاليف الإضافية التي يتحملها المصدرون إلى إيرادات مستدامة للاقتصاد الوطني.

وبهذا تتحول أزمة سلاسل الإمداد إلى محرك نمو يربط بين أمن الطاقة الخليجي والتنمية الاقتصادية المصرية-
هنا سوف نعرف جميعا ، لماذا مسيرة – ولماذا دمياط ساحل البحر المتوسط ولماذا ناقلة نفط او غاز ،، حفظ الله مصر