«ستيت ستريت»: السعودية تملك فرصة فريدة لبناء بنية مالية رقمية حديثة

0

في وقت تتسارع فيه إعادة تشكيل البنية التحتية للأسواق المالية العالمية، لم تعد الأصول الرقمية مجرد تجربة لإثبات جدوى تقنية «البلوك تشين»، بل بدأت تدخل مرحلة التطبيق المؤسسي، مدفوعة بتطور الأطر التنظيمية، ونمو حلول الأموال الرقمية، وتزايد اهتمام المؤسسات الاستثمارية الكبرى بترميز الأصول وتطوير آليات جديدة للتسوية وإدارة السيولة.

«ستيت ستريت»: السعودية تملك فرصة فريدة لبناء بنية مالية رقمية حديثة

ويرى رئيس الحلول الرقمية العالمية في «ستيت ستريت» السعودية أنغوس فليتشر، في حديث، أن الأصول الرقمية تجاوزت مرحلة إثبات جدوى التكنولوجيا إلى مرحلة إعادة تصميم آليات العمل في الأسواق المالية، مدفوعة بتطور الأطر التنظيمية ونمو حلول الأموال الرقمية وتزايد مشاركة المؤسسات الاستثمارية الكبرى.

وقال فليتشر إن التقارب بين الأصول الرقمية والأموال الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي يمهد لظهور نموذج تشغيلي جديد للقطاع المالي، مشيراً إلى أن السعودية تمتلك فرصة فريدة لبناء بنية مالية حديثة تستفيد من هذه التحولات ضمن مستهدفات «رؤية 2030».

من التجارب التقنية إلى التطبيق الفعلي

أوضح فليتشر أن المؤسسات المالية لم تعد تركز على تجارب البلوك تشين وإثبات إمكانية ترميز الأصول، بل أصبحت تبحث عن توظيف هذه التقنيات لتحسين أسواق رأس المال وعمليات الاستثمار والتسوية وإدارة السيولة والأنشطة العابرة للحدود.

وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات مهمة تمثلت في ظهور أطر تنظيمية أكثر وضوحاً، ونمو حلول الأموال الرقمية، وإطلاق منتجات استثمارية مرمّزة، إلى جانب زيادة مشاركة المؤسسات المالية في هذا المجال.

ترميز الأصول محرك لتطوير البنية التحتية

ويرى فليتشر أن ترميز الأصول لا يمثل الهدف النهائي في حد ذاته، بل يعد محفزاً لتطوير البنية التحتية للأسواق المالية.

وقال إن القيمة الحقيقية تكمن في جعل الأصول أكثر كفاءة وفائدة من خلال تحسين عمليات التسوية وإدارة الضمانات والتوزيع والسيولة، مشيراً إلى أن صناديق أسواق المال المرمّزة والأوراق الحكومية والأصول الخاصة تعد من أبرز الفئات المرشحة لاعتماد أوسع خلال السنوات المقبلة.

مدفوعات أسرع وتدفقات رأسمالية أكثر كفاءة

وأشار إلى أن الأموال الرقمية، بما في ذلك العملات المستقرة والودائع المرمّزة، يمكن أن تسهم في دمج حركة الأصول والنقد والبيانات ضمن منظومة أكثر تكاملاً مقارنة بالنظام المالي الحالي.

وأضاف أن هذا التطور قد يؤدي إلى رفع كفاءة تدفقات الاستثمار عبر الحدود، وتقليل السيولة المحتجزة، وتحسين حركة الضمانات بين الأسواق المختلفة، لافتاً إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دوراً متزايد الأهمية في إدارة السيولة وتحسين قرارات التسوية والتمويل في بيئة مالية تعتمد بشكل أكبر على الزمن الحقيقي.

تحديات تنظيمية وتشغيلية

وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه القطاع، قال فليتشر إن الصناعة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاتساق التنظيمي، وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين البنى التحتية للأسواق المختلفة، فضلاً عن تطوير نماذج تشغيل قادرة على استيعاب الأصول الرقمية على نطاق مؤسسي واسع.

وأوضح أن كثيراً من المؤسسات لا تزال تعتمد على أنظمة وبنى تحتية صُممت لعصر مالي مختلف، الأمر الذي يحد من الاستفادة الكاملة من مزايا الترميز.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تجاوز بعض هذه العقبات من خلال أتمتة عمليات المطابقة وتبسيط الإجراءات التشغيلية وتحسين إدارة المخاطر ومتطلبات الامتثال.

التنظيم أساس الثقة

وأكد رئيس الحلول الرقمية العالمية في «ستيت ستريت» أن الأطر التنظيمية تمثل عاملاً أساسياً في تعزيز ثقة المستثمرين المؤسسيين.

وقال إن المؤسسات المالية لا تبحث عن بيئة أقل تنظيماً، بل عن قواعد واضحة توفر اليقين القانوني وحماية المستثمرين والمرونة التشغيلية، مشيراً إلى أن اللوائح التنظيمية تمنح المؤسسات الثقة اللازمة للانتقال من مرحلة المشاريع التجريبية إلى مرحلة التشغيل الفعلي.

ثلاث طبقات لنمو الأسواق الرقمية

وأوضح فليتشر أن الأسواق تحتاج إلى ثلاث طبقات رئيسية من البنية التحتية لدعم المرحلة المقبلة من النمو. تتمثل الطبقة الأولى في الأموال الرقمية، بما يشمل الودائع المرمّزة والعملات المستقرة المنظمة وغيرها من أشكال النقد الرقمي المستخدمة في التسوية.

أما الطبقة الثانية فتشمل أنظمة الهوية والحوكمة والامتثال والأمن السيبراني والمرونة التشغيلية.

وأضاف أن الطبقة الثالثة تتمثل في «طبقة الذكاء» التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة السيولة والضمانات ومراقبة المخاطر ورفع الكفاءة التشغيلية.

فرص السعودية

وعن السعودية، قال فليتشر إن المملكة تمتلك فرصة فريدة لبناء بنية مالية حديثة ضمن مستهدفات «رؤية 2030»، مستفيدة من قدرتها على دمج التقنيات الحديثة والخدمات المالية الرقمية ضمن خططها طويلة الأجل.

وأضاف أن أكبر الفرص المتاحة للمملكة تتمثل في ترميز الصناديق الاستثمارية والأسواق الخاصة، وتطوير حلول الأموال الرقمية، وتعزيز حركة الضمانات وتدفقات الاستثمار العابرة للحدود.

كما أشار إلى أن الخدمات المالية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تسهم في تعزيز مكانة السعودية مركزاً مالياً عالمياً أكثر كفاءة وترابطاً.

نظام مالي أكثر ترابطاً

وتوقع فليتشر أن يتراجع تدريجياً الفصل بين التمويل التقليدي والتمويل الرقمي خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، مع ظهور نظام مالي أكثر ترابطاً يعمل عبر فئات متعددة من الأصول وأشكال مختلفة من الأموال ونماذج متنوعة للتسوية.

وقال إن الأسواق ستصبح أكثر اتصالاً وقابلية للبرمجة وديناميكية، فيما ستزداد أهمية الذكاء الاصطناعي في دعم اتخاذ القرار وإدارة التعقيد المتزايد في الأسواق.

وختم بالقول إن ترميز الأصول سيساعد على ربط الأصول، بينما ستربط الأموال الرقمية القيمة المالية، وسيعزز الذكاء الاصطناعي عملية اتخاذ القرار، بما يسرّع ظهور نظام مالي عالمي أكثر كفاءة وترابطاً.