بين فلسفة الردع وفلسفة البناء: قراءة في التضخم العقابي وتشريعات المرحلة

0

بين فلسفة الردع وفلسفة البناء: قراءة في التضخم العقابي وتشريعات المرحلة

بقلم د محمد باغة 

 

خلال السنوات الأخيرة، تكشف القراءة المتأنية للنصوص القانونية الصادرة عن منحى تشريعي يتجه بوضوح نحو تغليظ العقوبات، وتوسيع نطاق التجريم، حتى غدت كلمة «الحبس» حاضرة في معظم القوانين المنظمة لشؤون الحياة اليومية، سواء تعلقت بالمرافق العامة أو المخالفات المرورية أو التنظيمات العقارية أو غيرها من المسائل ذات الطبيعة الإدارية والتنظيمية.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلًا جوهريًا حول فلسفة التشريع المعاصرة: هل نُدير الدولة بمنطق “المرفوض” القائم على التهديد والعقاب، أم بمنطق “المأمول” القائم على التحفيز والتنمية وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؟

أولًا: التضخم العقابي وأثره المجتمعي

لا خلاف على أن الردع عنصر أساسي في المنظومة القانونية، لكن الإفراط في استخدام العقوبات السالبة للحرية – لا سيما في المخالفات غير الجسيمة أو التي يمكن معالجتها بوسائل بديلة – قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالتوسع في النصوص العقابية دون تدرج أو تمييز دقيق بين الخطأ العمدي والجسيم، والخطأ غير المقصود أو الإداري البحت، يُضعف الإحساس بعدالة القانون ويُعمّق الفجوة بين المواطن والدولة.

كما أن إدخال عقوبات سالبة للحرية في مسائل ذات طابع تنظيمي أو اجتماعي، دون دراسة كافية للآثار الاقتصادية والاجتماعية، قد يترتب عليه:
• زيادة الضغط على مؤسسات العدالة الجنائية.
• أعباء مالية إضافية على الدولة نتيجة التوسع في التنفيذ العقابي.
• آثار اجتماعية سلبية على الأسر، خصوصًا في الحالات غير الخطيرة.
• تراجع الشعور بالأمان القانوني لدى المواطنين.

القانون، في جوهره، وُجد لتنظيم الحياة وتيسيرها، لا لتحويلها إلى مساحة دائمة للقلق من العقاب. والمواطن يحتاج إلى أن يشعر بأن النص التشريعي يحميه ويطمئنه، لا أنه يتربص به.

ثانيًا: إشكالية المواءمة الدستورية والمجتمعية

تستدعي بعض التشريعات الحديثة نقاشًا أعمق حول مدى اتساقها مع المبادئ الدستورية، سواء فيما يتعلق بفلسفة التجريم أو بالتناسب بين الفعل والعقوبة، أو بمدى مراعاة الخصوصية الثقافية والقيمية للمجتمع.

إن التوسع في التجريم دون حوار مجتمعي كافٍ، ودون دراسات أثر تشريعي واضحة، قد يفتح الباب أمام طعون دستورية، أو على الأقل أمام جدل مجتمعي يُضعف من فاعلية النص قبل تطبيقه.

التشريع الرشيد لا يُقاس بعدد القوانين الصادرة، بل بجودة هذه القوانين، وانسجامها مع الدستور، وقابليتها للتطبيق، وأثرها التنموي.

ثالثًا: من الكم إلى الكيف

شهدت مصر خلال فترات سابقة طفرة عددية في إصدار القوانين، وكان يُنظر إلى ذلك باعتباره إنجازًا تشريعيًا. غير أن التجربة العملية تؤكد أن كثرة القوانين لا تعني بالضرورة جودة المنظومة القانونية. فالإفراط في التشريع دون مراجعة دقيقة، أو دون تقييم دوري لما صدر، قد يؤدي إلى:
• تضارب نصوص.
• تعقيد الإجراءات.
• إرباك الجهات التنفيذية.
• إرهاق المواطن بكثافة تنظيمية غير مبررة.

المرحلة الحالية، في ظل تحديات اقتصادية وإقليمية ودولية معقدة، تتطلب تشريعًا منضبطًا، متوازنًا، مدروس الأثر، يعزز الاستقرار ولا يضيف أعباءً نفسية أو مالية جديدة.

رابعًا: توصيات عملية قابلة للتنفيذ

حرصًا على بناء دولة القانون والمؤسسات، يمكن طرح عدد من التوصيات العملية:
1. إقرار إلزامية دراسة الأثر التشريعي قبل إصدار أي قانون جديد، بحيث تتضمن تقييمًا اقتصاديًا واجتماعيًا وحقوقيًا واضحًا.
2. التوسع في العقوبات البديلة في المخالفات غير الجسيمة، مثل الغرامات التصاعدية، والخدمة المجتمعية، والتدابير الإصلاحية، بدلًا من الحبس.
3. تفعيل الحوار المجتمعي المؤسسي مع النقابات المهنية والجامعات ومراكز البحوث قبل إقرار التشريعات ذات الحساسية المجتمعية.
4. مراجعة دورية للتشريعات الصادرة خلال العقد الأخير لتقييم مدى فعاليتها، وتعديل أو إلغاء ما ثبت عدم جدواه أو تعارضه مع فلسفة التنمية.
5. تعزيز مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة، بما يضمن عدالة الردع دون إفراط.
6. الانتقال من منطق الرقابة إلى منطق الشراكة بين الدولة والمواطن، عبر تبسيط الإجراءات وإتاحة الإرشاد القانوني الواضح للمواطنين.

خامسًا: ضبط إيقاع الدولة

إن ضبط “ترمومتر” الدولة — تشريعيًا وتنفيذيًا — لم يعد رفاهية، بل ضرورة استراتيجية. فالقانون هو الأداة التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الفرد والمجتمع. وإذا فقد المواطن ثقته في عدالة النص أو توازنه، فإن ذلك ينعكس على مستوى الالتزام والانتماء.

التاريخ يعلمنا أن الدول القوية هي التي تصحح مسارها في الوقت المناسب، وتراجع نفسها بشجاعة، وتُغلّب مصلحة المجتمع على الاعتبارات الشكلية أو العددية.

لسنا بحاجة إلى مزيد من القوانين بقدر ما نحن بحاجة إلى قوانين أفضل.
لسنا بحاجة إلى مزيد من النصوص العقابية بقدر ما نحن بحاجة إلى نصوص عادلة، متوازنة، وبنّاءة.

كما يقول المثل الإنجليزي:
Make it – don’t fake it
أي اجعل الإنجاز حقيقيًا في مضمونه، لا شكليًا في عدده.

حفظ الله مصر، ووفقها إلى تشريع يحقق العدالة، ويصون الدستور، ويدعم مسيرتها التنموية.