*الثروة المفقودة*

0

الثروة المفقودة

بقلم د يسري الشرقاوي رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة ومستشار الاستثمار الدولي والتنمية الاقتصادية 

 

Screenshot

يبلغ عدد سكان مصر حالياً نحو ١٢٠ مليون نسمة، وهو رقمٌ يضع البلاد في صدارة الدول ذات الكثافة السكانية الكبيرة. وفق تقديراتٍ علميةٍ وتجارب دولية، فإن نسبة المواهب الكامنة في المجالات الرياضية والفنية والموسيقية والإبداعية تتراوح بين ٣-٧٪ من الشباب في الفئة العمرية ما بين ٦ إلى٢٥ عاماً، أي أن هناك ما يعادل مئات الآلاف من المواهب الحقيقية التي تنتظر الاكتشاف والرعاية. مشاركة مصر في كأس العالم ٢٠٢٦، وظهور عددٍ من اللاعبين الموهوبين، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن القدرات متوفرة ، لكن الآلية المنظمة غائبة.

للأسف، شهدت مصر على مدار عقودٍ مبادراتٍ عديدةً أُعلن عنها بضجيجٍ إعلاميٍ كبير، وأُنفقت عليها ملايين الجنيهات تحت شعاراتٍ براقةٍ مثل “اكتشاف المواهب” أو “دعم الشباب المبدع” ،إلا أن معظمها انتهى إلى الفشل بسبب غياب الشفافية، وتفشي المحسوبية والواسطة، وعدم وجود متابعةٍ جيدة ومستدامةٍ أو آلياتٍ علميةٍ للتقييم الحقيقي. كثيرٌ من المواهب الحقيقية ظلت حبيسة القرى والأحياء الشعبية، بينما وصل آخرون إلى الأندية أو المنصات الفنية عبر “العلاقات” أو بعد سنواتٍ من “النوم أمام أبواب النوادي”. هذه التجارب الفاشلة لم تكن مجرد إخفاقاتٍ إدارية، بل إهداراً لثروةٍ بشريةٍ هائلةٍ كان يمكن أن تُشكِّل قوةً ناعمةً مصريةً حقيقية.

في المقابل، نجحت دولٌ أخرى في بناء أنظمةٍ فعالةٍ للبحث عن المواهب ورعايتها. فعلى سبيل المثال: الصين تعتمد نظاماً مركزياً مبكراً يبدأ من سن السادسة، حيث يتم فحص مئات الآلاف من الأطفال سنوياً في مدارس رياضيةٍ متخصصة، مما أسهم في تحقيق مراكز متقدمة في الأولمبياد. أما الولايات المتحدة، فتعتمد على قاعدةٍ عريضةٍ من المشاركة المدرسية والأكاديميات الخاصة، مع برامج اكتشافٍ علميةٍ مدعومةٍ ببيانات، مما يجعلها تتصدر جداول الميداليات الأولمبية بانتظام. وفي الاتحاد الأوروبي (خاصة بريطانيا وألمانيا) توجد مساراتٌ واضحةٌ من المدارس إلى الأكاديميات الاحترافية، مع نسب نجاحٍ عاليةٍ نسبياً للفرد الواحد، مدعومةً بتمويلٍ مستدامٍ وشفافية. أما في جنوب آسيا (الهند نموذجاً) فبرزت نماذج ناجحة في الكريكيت من خلال برامج اكتشافٍ جماهيريةٍ واسعة النطاق. هذه الدول لم تعتمد على الشعارات، بل على أنظمةٍ علمية مدروسة، وحوافز حقيقية، ومكافحةٍ صارمةٍ للفساد.

آن الأوان لأن يعلن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي عن مبادرةٍ وطنيةٍ شاملةٍ لاكتشاف ورعاية المواهب المصرية، تكون نموذجاً عصرياً يتجاوز التجارب السابقة. وأقترح أن تقوم هذه المبادرة على المحاور التالية:

أولاً: الشمولية الجغرافية — الوصول إلى كل قريةٍ ومدينةٍ وحي، من خلال فرق كشفٍ متنقلةٍ ومنصةٍ رقميةٍ وطنيةٍ تتيح الترشيح الذاتي أو من المدارس والأندية.
ثانياً: التخصصية العلمية — إنشاء مراكز تقييمٍ في كل محافظةٍ تعتمد اختباراتٍ علمية (بدنية، فنية، نفسية، وإبداعية) بالتعاون مع خبراء محليين ودوليين، بعيداً عن الذوق الشخصي أو الواسطة.
ثالثاً: الشراكات المؤسسية — ربط المواهب المكتشفة فوراً بالأندية الرياضية، وأكاديميات الفنون، وشركات الإنتاج، والجامعات، مع برامج تدريبيةٍ متدرجة.
رابعاً: الحوافز الفعالة — منحٌ دراسيةٌ كاملة، ورواتب تدريبٍ شهرية، ورعايةٌ صحيةٌ ونفسية متكاملة، وفرص مشاركةٍ دوليةٍ مبكرة، ومساراتٌ سريعةٌ للاحتراف، مع جوائز وطنية سنويةٍ.
خامساً: الشفافية والحوكمة — إنشاء هيئةٍ وطنيةٍ مستقلةٍ تشرف على التنفيذ، مع وجود لجانٍ رقابيةٍ تضم شخصياتٍ عامةً وخبراء، ونشر تقارير سنويةٍ مفصلةٍ عن عدد المكتشفين ونتائجهم، بالتزامن مع تطبيق آلياتٍ صارمةٍ لمكافحة الفساد.

إن تنفيذ هذه المبادرة بإحكامٍ سيحول مصر من دولة “تمتلك مواهب” إلى دولة “تصنع نجوماً”، ويُعزز قوتها الناعمة في الرياضة والفن والموسيقى، ويفتح آفاقاً اقتصاديةً وثقافيةً جديدة. لقد حان الوقت لننتقل من مرحلة “الإعلان عن المبادرات” إلى مرحلة “التنفيذ الجاد والمستدام”. مصر تستحق أن تُرى مواهبها في كل مكان، لا أن تبقى حبيسة الظل.

فالمواهب المصرية ليست نادرة، بل هي ثروةٌ حقيقيةٌ مهدرة. وما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الشعارات، بل نظاماً وطنياً عادلاً وشفافاً ومستداماً يحول هذه الطاقات الكامنة إلى إنجازاتٍ ملموسة. فالاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي لا يخسر، وهو الطريق الأقصر لصناعة مستقبلٍ يليق بمصر وبشبابها.