كيف نجحت «مصدات» السعودية في حماية اقتصاها من نيران الحرب؟

0

في الوقت الذي دفعت فيه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران المنطقة إلى واحدة من أكثر موجات التوتر حدة منذ سنوات، وأعادت إغلاق مضيق هرمز ورفعت أسعار النفط والشحن والتأمين، جاء تثبيت وكالة «فيتش» السعودية للتصنيف الائتماني للمملكة عند «إيه +» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، ليطرح سؤالاً أساسياً: كيف تمكن الاقتصاد السعودي من الحفاظ على متانته المالية في قلب الأزمة؟

كيف نجحت «مصدات» السعودية في حماية اقتصاها من نيران الحرب؟

الإجابة لا ترتبط بارتفاع أسعار النفط السعودية وحده؛ بل بمنظومة متكاملة من الإصلاحات التي تراكمت على مدى سنوات، شملت بناء مصدات مالية ولوجستية، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير البنية التحتية للطاقة، وتعزيز دور القطاع الخاص، بما جعل الاقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

وبينما يترقب مجتمع المال والأعمال الدولي صدور التقرير الشامل والمفصل للمجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 مع المملكة هذا الشهر، تكشف بيانات بعثة الصندوق، وأرقام البنك المركزي السعودية، وميزان المدفوعات، عن الكيفية التي اجتاز بها الاقتصاد السعودي واحداً من أصعب الاختبارات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة.

الشرايين البديلة

حين أعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، اعتقد كثيرون أن الصادرات النفطية الخليجية ستواجه شللاً واسعاً. إلا أن السعودية كانت قد استعدت لهذا السيناريو منذ عقود، عبر بناء منظومة متكاملة لتأمين صادراتها بعيداً عن المضيق.

وشملت هذه الاستراتيجية تطوير خط أنابيب «شرق-غرب» الذي ينقل النفط إلى موانئ ينبع على البحر الأحمر، وتوسيع طاقته الاستيعابية، إلى جانب إنشاء مراكز تخزين استراتيجية في أسواق رئيسية حول العالم، والحفاظ على أكبر طاقة إنتاجية فائضة عالمياً.

وعندما اندلعت الأزمة، أتاحت هذه المنظومة لـ«أرامكو السعودية» مواصلة الوفاء بالتزاماتها التصديرية؛ إذ دعمت الإمدادات عبر خط الأنابيب، واستفادت من المخزونات الخارجية، ومن قدرتها على تشغيل جزء من طاقتها الإنتاجية الفائضة، ما حدّ من تراجع الشحنات، وخفف أثر إغلاق المضيق على تدفقات النفط السعودية.

لماذا بقي التضخم منخفضاً؟

رغم أن الحرب دفعت أسعار النفط والشحن والتأمين البحري إلى الارتفاع عالمياً، فإن انتقال هذه الصدمة إلى الاقتصاد المحلي بقي محدوداً مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى.

ويعود ذلك إلى كفاءة سلاسل الإمداد، واستقرار سعر صرف الريال المرتبط بالدولار، وارتفاع المخزونات الاستراتيجية من السلع الأساسية، إلى جانب السياسات المالية والنقدية التي حافظت على استقرار الأسواق.

ولهذا، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط التضخم خلال عام 2026، نحو 2.3 في المائة فقط، وهو مستوى يظل منخفضاً مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

فائض الحساب الجاري

قد يبدو للوهلة الأولى أن الحرب كان يفترض أن تضر بالحسابات الخارجية للمملكة، إلا أن بيانات الربع الأول أظهرت العكس. فقد سجل الحساب الجاري فائضاً بلغ 4.1 مليار دولار، وهو أول فائض يُسجل بعد نحو عامين من العجز، مقارنة بعجز قدره 8.2 مليار دولار في الربع الأخير من عام 2025.

وجاء هذا التحول نتيجة معادلة مزدوجة؛ فبينما تراجعت كميات النفط المصدرة بسبب الاضطرابات، عوضت الأسعار المرتفعة جانباً كبيراً من هذا الانخفاض، في الوقت الذي تباطأت فيه الواردات نتيجة اضطرابات الشحن، وتحسن ميزان السفر مع ارتفاع إنفاق الزوار داخل المملكة.

أدوات عززت الاستقرار

لم يكن فائض الحساب الجاري وحده ما عزز متانة الاقتصاد؛ بل دعمه أيضاً عدد من الأدوات المالية التي دخلت بها المملكة الأزمة؛ فقد أظهرت البيانات أن المملكة دخلت الأزمة بأدوات مالية قوية وعوامل ساعدتها في الحفاظ على الاستقرار، تمثلت في العوامل التالية:

  • إعادة توظيف الأصول الخارجية: سجلت العمليات الاستثمارية للجهات الحكومية وصندوق الثروة السيادي السعودي، قفزة قياسية في تصفية الأصول الأجنبية خلال الربع الأول من عام 2026، حيث بلغت قيمة الأصول المباعة والمحولة نحو 22.6 مليار دولار، مقارنة بـ4 مليارات دولار فقط في الربع الأخير من عام 2025 (بنمو 460 في المائة). ويعكس هذا النمو الحاد وتيرة متسارعة في إعادة توجيه السيولة الخارجية نحو الداخل.
  • استقرار الأصول الاحتياطية: في مقابل القفزة في تسييل الأصول الخارجية للجهات الحكومية، حافظت الأصول الاحتياطية لدى البنك المركزي السعودي على مستويات استقرار قوية ومتوازنة، بلغت 1.862 تريليون ريال (ما يعادل 496.5 مليار دولار) بنهاية الربع الأول، مسجلة قفزة سنوية بنسبة 9.32 في المائة. ويوضح هذا المشهد كفاءة توزيع الأدوار التمويلية؛ حيث فضلت الجهات الحكومية الاعتماد على تدوير محافطها الاستثمارية وتسييل جزء من أصولها الأجنبية لتمويل المشاريع المحلية، بدلاً من اللجوء إلى السحب المباشر من الاحتياطيات النقدية الرسمية للمملكة، ما عزز من مصدات الأمن المالي وسند الجدارة الائتمانية للمملكة عالمياً.
  • الجدارة الائتمانية: هذه المؤشرات المحققة في ميزان المدفوعات وحجم الأصول الاحتياطية انعكست مباشرة على الجدارة الائتمانية السيادية للمملكة؛ حيث أكدت وكالات التصنيف الائتماني العالمية الكبرى في مراجعاتها لعام 2026، القوة الهيكلية لمركز الاقتصاد السعودي ومقاومته العالية للصدمات الجيوسياسية الإقليمية؛ فقد ثبتت وكالة «فيتش» و«ستاندرد آند بورز» تقييمهما للمملكة عند «إيه +» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، في حين حافظت وكالة «موديز» على تصنيفها المرتفع عند «إيه إيه 3». ووفقاً للتقارير الصادرة، فإن هذا التثبيت الائتماني يستند بشكل جوهري إلى ضخامة صافي الأصول الأجنبية السيادية والاحتياطيات المالية التي تغطي المدفوعات الخارجية لمدد زمنية طويلة تفوق متوسط الدول ذات التصنيف المماثل، إلى جانب المرونة الاستباقية للأنشطة غير النفطية والقدرة على توفير قنوات تمويل بديلة لتنفيذ مشاريع «رؤية 2030» دون المساس بالغطاء النقدي والاحتياطي الأساسي للدولة.
  • التمويل الاستباقي: استغلت الحكومة قوة مركزها الائتماني وانخفاض مستويات الدين العام (34.4 في المائة من الناتج المحلي) لتأمين تمويل خارجي بقيمة 13 مليار دولار خلال الربع الأول، وفق ما أعلن المركز الوطني لإدارة الدين العام في يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل تصاعد الأزمة. كما تم تأمين ما يقارب 14 مليار دولار إضافية عبر إصدار صكوك دولية، وقروض تجارية، وسندات من قبل بنوك وشركات سعودية كبرى مستفيدة بدورها من السقف الائتماني المرتفع للدولة، ليرتفع بذلك إجمالي اقتراض المقيمين من الخارج إلى 27 مليار دولار.
  • التدفقات الاستثمارية: في قطاع الاستثمار، تأكد عمق ثقة المؤسسات العالمية عبر استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي؛ وعلى خلاف ما تشهده الاقتصادات عادة خلال فترات التوتر الجيوسياسي، لم تسجل السوق المالية السعودية موجة خروج لرؤوس الأموال الأجنبية؛ بل واصل المستثمرون غير المقيمين تسجيل صافي مشتريات في الأسهم السعودية بلغ 2.4 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، لتستقر ملكيتهم الإجمالية فوق حاجز 110 مليارات دولار. ترافق ذلك مع مرونة استثنائية في الاستثمار الأجنبي المباشر الذي سجل تدفقات صافية بلغت 1.8 مليار دولار خلال الربع الأول وحده، مدعوماً بثقة الأسواق المتزايدة في الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية المستمرة لـ«رؤية 2030».
  • القطاع المصرفي: أسهمت متانة القطاع المصرفي في تعزيز قدرة الاقتصاد على تجاوز فترة التوتر؛ إذ حافظت البنوك السعودية على مستويات مرتفعة من الرسملة والسيولة، مع استمرار نمو الائتمان للقطاع الخاص، ما وفر التمويل اللازم للشركات والمشروعات رغم اضطرابات الأسواق العالمية. ويرى صندوق النقد أن سلامة القطاع المالي شكلت إحدى الركائز الرئيسية التي دعمت استقرار الاقتصاد خلال الأزمة.

ماذا غيّرت «رؤية 2030»؟

ربما يكون أفضل اختبار لنجاح الإصلاحات هو طرح سؤال افتراضي: ماذا لو وقعت الأزمة الحالية قبل إطلاق «رؤية 2030»؟ في ذلك الوقت، كان الاقتصاد يعتمد بصورة كبرى على الإيرادات النفطية، وكانت أدوات التمويل وإدارة السيولة أكثر محدودية، كما كانت مساهمة الأنشطة غير النفطية أقل بكثير مما هي عليه اليوم. أما اليوم، فقد أصبح الاقتصاد يستند إلى منظومة أكثر تنوعاً تشمل الإيرادات غير النفطية، وسوق الدين المحلية والدولية، والقطاع المصرفي، وصندوق الاستثمارات العامة، إلى جانب احتياطيات نقدية مرتفعة وبنية لوجستية متطورة، وهو ما وفر للمملكة شبكة أمان ساعدتها في امتصاص الصدمة دون اضطرابات كبيرة.

تقييم صندوق النقد

جاء البيان الختامي لبعثة صندوق النقد الدولي لعام 2026، ليوثق المؤشرات الإيجابية للاقتصاد السعودي؛ حيث أكد الصندوق أن الاقتصاد أظهر مرونة تكيّفية عالية وقدرة واضحة على الصمود في وجه المتغيرات الخارجية. وعزا البيان هذا الاستقرار إلى قوة المتانة الهيكلية للاقتصاد الوطني، وتطور البنية التحتية اللوجستية، بجانب التوسع المستمر في تنويع القاعدة الإنتاجية والأنشطة غير النفطية.

وفي المقابل، خفض الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي خلال عام 2026، إلى 1.7 في المائة، بانخفاض قدره 0.3 نقطة مئوية عن توقعاته السابقة، لكنه رفع توقعاته لعام 2027 إلى 5.5 في المائة.

ولا يعكس هذا الخفض ضعفاً في الاقتصاد بقدر ما يعكس تأثير البيئة الإقليمية؛ فحتى مع تسجيل الاقتصاد نمواً بنحو 3 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين قد يؤثران في وتيرة النشاط خلال بقية العام.

تحديات لا تزال قائمة

رغم قوة المصدات المالية واللوجستية، فإن استمرار التوترات الإقليمية لفترة طويلة قد يفرض تحديات إضافية، من بينها ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتباطؤ التجارة العالمية، واحتمال تأجيل بعض الاستثمارات، فضلاً عن الضغوط المحتملة على المشاريع الكبرى إذا استمرت أسعار الطاقة والخدمات اللوجستية عند مستويات مرتفعة. ولهذا، يؤكد صندوق النقد أن مواصلة الإصلاحات الهيكلية، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وتعزيز الإنتاجية، ستظل عوامل أساسية للحفاظ على النمو خلال السنوات المقبلة.

المرونة أصبحت سياسة اقتصادية

تكشف تجربة الأشهر الماضية أن ما واجهته المملكة لم يكن مجرد أزمة نفط أو اختبار جيوسياسي عابر؛ بل اختبار شامل لقدرة الاقتصاد على إدارة الصدمات؛ فالتزامن بين تحقيق فائض في الحساب الجاري، وإعادة توظيف الأصول الخارجية، والحفاظ على احتياطيات قوية، وتأمين تمويل منخفض التكلفة، واستمرار تدفقات الاستثمار، يوضح أن إدارة السيولة السيادية أصبحت جزءاً من استراتيجية اقتصادية متكاملة، لا مجرد استجابة ظرفية للأزمات.

ومع انتظار التقرير النهائي لصندوق النقد الدولي، تبدو الرسالة التي تقدمها التجربة السعودية واضحة: الاستثمار في المرونة الاقتصادية أصبح أحد أهم الأصول السيادية للمملكة، وربما الأكثر قيمة في عالم تتزايد فيه الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية.