الاقتصاد الفرنسي يتوقف عن النمو والتضخم يتسارع
دخل الاقتصاد الفرنسي مرحلة أكثر صعوبة خلال الربع الثاني من العام، بعدما أظهرت بيانات رسمية توقف النمو تماماً بالتزامن مع تسارع التضخم وتراجع القوة الشرائية للأسر، في مزيج يزيد الضغوط على الحكومة التي تستعد لمفاوضات شاقة بشأن خفض الإنفاق في موازنة 2027.
الاقتصاد الفرنسي يتوقف عن النمو والتضخم يتسارع
وقال المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية «إنسي»الفرنسي، إن الناتج المحلي الإجمالي لم يسجل أي نمو خلال الربع الثاني، خافضاً تقديراته الأولية التي كانت تشير إلى توسع بنسبة 0.2 في المائة.كما عدل المعهد بيانات الربع الأول بالخفض، ليظهر أن الاقتصاد انكمش بنسبة 0.2 في المائة بدلاً من التقدير السابق البالغ 0.1 في المائة. وتعني الأرقام الجديدة أن ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي لم يحقق نمواً خلال النصف الأول من العام، بل سجل تراجعاً طفيفاً في النشاط.وعزا «إنسي» جانباً من المراجعات إلى تدهور الإنتاج الزراعي بصورة أكبر مما كانت تشير إليه المعلومات المتاحة في نهاية يوليو (تموز). لكن الصورة الاقتصادية الأوسع تكشف عن ضغوط تتجاوز القطاع الزراعي، إذ يعاني الاقتصاد الفرنسي تباطؤاً منذ الربع الثالث من العام الماضي، وسط ضعف إنفاق المستهلكين وارتفاع تكاليف الطاقة.وزادت الحرب ضد إيران من هذه الضغوط بعدما دفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع، وهو ما انعكس على تكاليف الشركات والأسر، وأعاد التضخم إلى الواجهة في وقت كان الاقتصاد بحاجة فيه إلى تحسن الاستهلاك لدعم النمو.وأظهرت البيانات تسارع معدل التضخم إلى 2.4 في المائة خلال أغسطس (آب)، مقابل 2.1 في المائة في يوليو. ويضع ارتفاع الأسعار الأسر أمام ضغوط إضافية، خصوصاً بعدما أظهرت بيانات «إنسي» انخفاض القوة الشرائية للأسر بنسبة 0.5 في المائة خلال الربع الثاني، بعد تراجعها 0.1 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى.ويشكل تزامن ضعف النمو مع ارتفاع التضخم معضلة للاقتصاد الفرنسي، لأن استمرار الضغوط السعرية يقلل قدرة الأسر على زيادة الاستهلاك، بينما يؤدي ضعف الطلب بدوره إلى الحد من قدرة الشركات على الاستثمار والتوسع.وتأتي الأرقام في توقيت حساس للحكومة الفرنسي التي تحاول التوصل إلى خفض كبير في الإنفاق ضمن موازنة 2027، بهدف السيطرة على عجز المالية العامة.وبلغ عجز الموازنة الفرنسية 5.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، العام الماضي، وهو مستوى يتجاوز بفارق كبير سقف 3 في المائة المحدد لدول منطقة اليورو. ولذلك تحتاج الحكومة إلى خفض العجز، لكن ضعف الاقتصاد يجعل المهمة أكثر تعقيداً، فالتقشف المالي في بيئة يتوقف فيها النمو قد يؤدي إلى مزيد من الضغط على الطلب المحلي إذا جاء سريعاً أو واسع النطاق، بينما يؤدي تأجيل ضبط المالية العامة إلى إبقاء العجز والدين تحت مراقبة الأسواق والمؤسسات الأوروبية.وتزداد حساسية هذه المعادلة مع تراجع القوة الشرائية، فخفض الإنفاق الحكومي بالتزامن مع ضعف استهلاك الأسر قد يحرم الاقتصاد من اثنين من محركات الطلب في الوقت نفسه، ما يجعل استعادة النمو أكثر اعتماداً على الاستثمار والصادرات وتحسن أسعار الطاقة. وتكشف بيانات الربع الثاني بذلك عن تحول في التحدي الذي تواجهه باريس. فلم يعد الأمر يتعلق فقط بإعادة التضخم إلى مستويات مريحة، بل بكيفية تحقيق ذلك في اقتصاد فقد زخمه ويواجه في الوقت نفسه ضرورة إصلاح أوضاعه المالية.وستتجه الأنظار خلال الأشهر المقبلة إلى قدرة الاقتصاد الفرنسي على العودة إلى النمو، وإلى مسار أسعار الطاقة والتضخم، فضلاً عن تفاصيل موازنة 2027. فكلما طال أمد الركود وضعفت القوة الشرائية، أصبحت مهمة الحكومة في خفض العجز أكثر صعوبة، وازدادت المفاضلة بين دعم النشاط الاقتصادي واستعادة الانضباط المالي.